منذ رئاسته الثانية وحتى أيامنا هذه، وإلى أجلٍ غير مسمى، أشعل دونالد ترامب العالم بأزماتٍ تبدو بلا حل، ما أنتج ظاهرة في منتهى التفرّد والغرابة، ملخصها أن رئيس أقوى دولةٍ في العالم يحتل موقع القلب من الأزمات، ولكنه في ذات الوقت يقف على هوامش الحلول، وأينما تدخل تعقدت الأزمات، وابتعدت الحلول، وإذا كان لا بد من إيراد أمثلةٍ حيّةٍ فأمامنا غزة التي بشّر بحلٍ لها يصلح لأن يكون نموذجاً لتحقيق سلامٍ دائمٍ في الشرق الأوسط، فإذا بالأمور فيها تعود إلى نقطة البدايات، ليقف رئيس مجلس السلام، مراقباً لما يجري دون أن ينبس ببنت شفة، وهو يرى إسرائيل لا تكتفي باحتلال أكثر من نصف غزة، بل تهدد باحتلالٍ إضافي دون أن يتوقف مسلسل القتل وتدمير ما تبقى من بنى تحتية غير صالحةٍ للعمل أصلاً.
وفي لبنان حيث يرعى الرئيس ترامب مفاوضات عسكرية وسياسية في «البنتاغون» ووزارة الخارجية في واشنطن، فإن نتنياهو يستخدم أدبيات ترامب وأساسها قوله، إن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها ليرتكب تحت هذه الجملة، حرب إبادةٍ لقرى بكاملها في جنوب لبنان دون استثناء بيروت.
أما فيما يتصل «بأم المعارك» التي يجري بشأنها محادثاتٍ محاطةً بغموضٍ شديدٍ مع إيران، فترامب لا يزال واقفاً في منطقة الحيرة بين توقيع اتفاقٍ يصعب تسويقه للأميركيين والبحث عن مخرجٍ يجنّبه اللجوء إلى الحرب من جديد، وفي كلا الحالتين لا خطوات حاسمة في أي اتجاه.
ترامب يحتاج إلى هدوءٍ ولو نسبيا في لبنان، ولكن نتنياهو لا يساعده في ذلك، ويحتاج إلى تحريك مبادرته بشأن غزة، ولو ببعض التقدم الطفيف، ولكن نتنياهو لا يمكّنه من ذلك واسألوا ملادينوف، ويحتاج أكثر وأكثر إلى صيغة حلٍ مع إيران ولو بمستوى حفظ ماء الوجه، ولكنه لا يستطيع، وها هو نتنياهو بعد أن أخرجه ترامب من الباب الإيراني يعود إليه من النافذة اللبنانية، كمشعل نارٍ لا يتوقف لهيبها داخل حدود لبنان، بل يصل دخانها إلى غرف المفاوضات مع إيران.
ماذا سيفعل ترامب في هذه الحالة؟ يبدو أن لا خيارات قوية لديه، سوى البقاء في قلب الأزمات وفي هوامش الحلول المستعصية.