«صولة الفجر» ضد الفساد
نشر بتاريخ: 2026/07/06 (آخر تحديث: 2026/07/06 الساعة: 17:57)

في نيسان الماضي، كلف الرئيس العراقي نزار أميدي رجل الأعمال علي الزيدي تشكيل الحكومة.. بعد توافق «الإطار التنسيقي»، وهي الكتلة النيابية الأكبر في البرلمان التي تشكّلت عقب انتخابات 2021، وتمثل مظلة سياسية جامعة للقوى الشيعية في العراق (باستثناء التيار الصدري).

هذا التكليف أتى نتيجة تغير البيئة السياسية في المنطقة، وتغيير السياسات الأميركية تجاه العراق، باتجاه وضع حد لنفوذ إيران في المنطقة، ونفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بها، ومكافحة تهريب النفط والأموال التي قد تفيد إيران، لذا رفضت الإدارة الأميركية ترشح المالكي أو أي شخصية مرتبطة بإيران لرئاسة الوزراء.

بعد شهرين من تشكيلها، أعلنت حكومة الزيدي عن حملة ضد الفساد، أطلقت عليها «صولة الفجر»، بدأتها بحملة اعتقالات متزامنة واسعة النطاق طالت أعضاء في مجلس النواب رفعت عنهم الحصانة البرلمانية ومسؤولين آخرين، بتهم فساد مالي وإداري يقدر بمئات الملايين من الدولارات. أتت الحملة بعد اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي، كشفت عن تورط مسؤولين متنفذين في مستنقع الفساد. وهي حملة غير منفصلة عن البيئة الإقليمية الجديدة، أي بعد تراجع النفوذ الإيراني حيث أدت الحرب إلى إضعاف إيران وأذرعها الإقليمية، ما خفف من قدرتها على حماية شبكات الفساد، وخلق هامش حركة أكبر لحكومة الزيدي.

بعد الاحتلال الأميركي للعراق العام 2003 دخلت البلاد في مرحلة من الفوضى، والاقتتال، والصراعات الطائفية، وانتشار الميليشيات المسلحة، وبروز طبقة سياسية وُصفت بأنها الأكثر فسادا على مدار التاريخ. وتشير تقديرات وتقارير رسمية ودولية إلى أن العراق خسر نحو تريليون دولار خلال العقدين الماضيين بسبب الفساد. وصُنف العراق ضمن الدول الأكثر فسادا وفق المعايير الدولية.

وقد مارس بعض المتنفذين في الدولة كل ما يخطر ببالك من فساد: تلقي رشاوى، عقود حكومية وهمية، اختلاسات، تهريب النفط، إضافة إلى موظفين وعناصر أمنية يتقاضون رواتب دون عمل (يسمونهم «الفضائيون»)، شبكات المحاصصة الحزبية التي سيطرت على الوزارات والمؤسسات وعلى القطاع الخاص، التهرب الضريبي والجمركي.. وفي السنوات الأربع الأخيرة تصاعدت مستويات الفساد لدرجة غير معقولة، لم يشهدها العراق ولا أي بلد في العالم، وفق تعبير مسؤولين حكوميين.

رغم أن العراق يمتلك موارد طبيعية وبشرية تؤهله ليكون من أقوى اقتصادات المنطقة، وقد تجاوزت إيرادات النفط وحدها تريليونات الدولارات خلال العقدين الماضيين، إلا أن المواطن ما زال يعاني من انقطاع الكهرباء، وضعف شبكات المياه والصرف الصحي، وتردي الخدمات العامة، واكتظاظ المدارس، وانهيار التعليم، وسوء البنية التحتية، وانتشار الفقر والبطالة والجريمة، وضعف مؤسسات الدولة، وفقدان الأمن في الكثير من المناطق، وتآكل الثقة بالدولة.. سياسياً صار العراق ساحة مستباحة للقوى الأجنبية، خاصة إيران، التي ظلت تشرف وتهيمن على مفاصل الدولة وحتى على المجتمع، من خلال أتباعها والميليشيات التي تمولها وتدعمها.

العديد من الأسماء التي ظهرت في الإعلام ومتهمة في الفساد معروفة بتبعيتها وولائها لإيران، ومن تيارات الإسلام السياسي، بعضهم كان الأكثر تشددا في مزاعم وادعاءات مكافحة الفساد (خطابيا وإعلاميا)، ثم تبين أنهم الرؤوس الحقيقية للفساد، وأنهم نهبوا الملايين من أموال الشعب.

وبعض المسؤولين الذين اعتُقلوا في الحملة كانوا مسؤولين في الحكومة في فترة الاحتلال الأميركي. ليس هذا وحسب، بل إن الفساد تضخم بصورة انفجارية غير معهودة في فترة الاحتلال الأميركي، وما تلاها (حكومة المالكي)، وظلت الإدارة الأميركية تلتزم الصمت، ولم تقم بأي خطوات جدية للحد من هذا الفساد، لكنها تنبهت له فقط بعد أن صار يمس مصالحها في المنطقة. ما يؤكد أن كل حديث أميركا عن الفساد ومزاعم مكافحته، وحديثها عن الديمقراطية ونشرها، وعن حقوق الإنسان.. ما هي إلا دعاية مضللة تتوارى من خلفها لخدمة أهدافها الإمبريالية. بل إنها كانت الراعي الرسمي للفساد والدكتاتورية وانتهاك حقوق الإنسان في العديد من دول العالم.

أكد الزيدي أن الحملة ستستمر وأنه لا توجد حصانة لأحد، وأن جميع المتهمين سيخضعون للقضاء بصرف النظر عن انتماءاتهم. أما منتقدو الحملة فيرون أن بعض الشخصيات المستهدفة تنتمي إلى تيارات سياسية بعينها، وثمة شخصيات نافذة أخرى لم تُمس حتى الآن، كما أثار إعلان الزيدي تخيير بعض المتورطين بين إعادة الأموال المنهوبة أو الملاحقة القضائية جدلا وتشكيكا بجدوى هذا الخيار الذي قد ينعكس سلباً على مصداقية الحملة.

في الوقت الحالي، لا يمكن إصدار حكم نهائي على الحملة، لكن إذا استمرت لتشمل جميع المتهمين مع صدور أحكام قضائية واسترداد الأموال المنهوبة، فستُعد تحولاً تاريخياً في مكافحة الفساد، أما إذا توقفت بعد مجموعة محدودة من القضايا، أو اقتصرت على خصوم سياسيين، فستكون مجرد حملة ذات أهداف سياسية حزبية أكثر من كونها إصلاحاً مؤسسياً، وإذا أدت إلى إصلاحات مؤسسية مثل تعزيز استقلال القضاء، وإصلاح نظام العقود الحكومية، والحد من المحاصصة، فسيكون أثرها أعمق من مجرد اعتقالات. حتى الآن، تمثل «صولة الفجر» تطوراً مهماً من حيث حجم الشخصيات المستهدفة والرسائل السياسية والقضائية التي صاحبتها. من المبكر الحكم عليها، وستُقاس مصداقيتها خلال الأشهر والسنوات المقبلة، وبقدرتها على الوصول إلى جميع المتورطين، واسترداد الأموال العامة، وإحداث تغيير دائم في مؤسسات الدولة.

تُظهر مقاطع الفيديو المنتشرة في العراق حاليا مشاهد أغرب من الخيال، وما يفوق الوصف، فمثلا في منزل النائبة عالية نصيف عثر على 15 مليون دولار كانت تكدسها على شكل أكوام، عدا الذهب والمجوهرات وغيرها من النفائس، وفي منزل النائبة هند العباسي عُثر على 57 مليون دولار.. وبتقدير الخبراء هذه مجرد نقطة في بحر، حيث ستظهر الكنوز الخرافية بعد أن تطال الحملة حيتان الفساد.

هذه الأموال لو أُديرت بطريقة عادلة ونزيهة تكفي لبناء أحدث دولة في المنطقة، بحيث يعيش كل العراقيين في رخاء.. صحيح أنها نُهبت لجيوب الفاسدين مباشرة.. لكن الموضوعية تقتضي منا أن نشير إلى أن مثل هذه المبالغ كانت تُصرف على بناء الدولة في عهد صدام، لكن الجزء الأكبر منها كانت تُنفق في الحروب وعلى التسليح.. إي أنه في الحالتين تم إهدار فرصة أن يكون العراق يابان الشرق الأوسط، فلديه كل ما يمكنه من ذلك.. لكنه ابتلي بحكم الفاسدين.. مثل الكثير من بلدان المنطقة.