مغادرة الأجانب من أطباء بلا حدود في غزة... حين غاب السند وبقيت الإنسانية تصارع الحرب
نشر بتاريخ: 2026/07/15 (آخر تحديث: 2026/07/15 الساعة: 02:54)

شكّلت المؤسسات الطبية والإغاثية الدولية العاملة في قطاع غزة، خلال سنوات طويلة، شريان حياة مهمًا للمدنيين، خاصة في أوقات الحروب والأزمات الإنسانية. ومن بين هذه المؤسسات برزت منظمة أطباء بلا حدود، التي قدمت خدمات طبية وإنسانية للمرضى والجرحى، وأسهمت في دعم القطاع الصحي في ظروف بالغة الصعوبة.

إلا أن القيود والإجراءات المفروضة على عمل المؤسسات الأجنبية انعكست على طبيعة عملها، بعد مطالبة الجانب الإسرائيلي بكشوفات تتعلق بالعاملين في المؤسسة وآليات اعتمادهم، وهو ما أثار تحفظات لدى المنظمة التي ترى أن استقلالية العمل الإنساني وحماية بيانات العاملين جزء أساسي من مبادئها وبروتوكولاتها. ومع انتهاء مدة التصاريح وعدم التوصل إلى صيغة توافقية، اجبر العاملون الأجانب في أطباء بلا حدود قطاع غزة على المغادرة، بينما استمرت الطواقم الفلسطينية المحلية في إدارة العمل الطبي والإنساني داخل العيادات والمراكز.

ورغم استمرار المتابعة والتنسيق مع الطواقم الأجنبية عبر التقارير ووسائل الاتصال عن بعد، فإن غيابهم ترك أثرًا واضحًا في الميدان. فوجود الأجانب لم يكن مجرد حضور وظيفي أو إداري، بل كان جزءًا من منظومة عمل متكاملة تقوم على الخبرة والتنسيق وتعزيز الشعور بالأمان.

ويصف أحد الموظفين أثر هذه المغادرة بقوله: "شعرنا وكأن أمًا فقدت أبناءها"، في تعبير إنساني عن حجم العلاقة المهنية والإنسانية التي نشأت بين الطواقم الفلسطينية والأجنبية خلال سنوات العمل المشترك، حيث لم تكن العلاقة مجرد زمالة وظيفية، بل شراكة قائمة على الثقة والتكامل في مواجهة ظروف استثنائية.

لقد أثر عدم ترخيص المنظمة على العمليات اليومية. ومن أبرز التحديات المتعلقة بتوفير بعض الأدوية والمستلزمات الطبية، وخاصة أدوية الأمراض المزمنة، إضافة إلى تصاعد مشاعر القلق والخوف لدى الكادر الطبي في ظل استمرار القصف الإسرائيلي والمخاطر المحيطة بالعمل الإنساني. كما يعيش الموظفون حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل وظائفهم ومصدر رزق أسرهم في حال تقلص دور المؤسسات الدولية أو توقفت أنشطتها بشكل كامل.

إن العمل الإنساني والطبي ليس امتيازًا تمنحه الظروف السياسية، بل هو حق تكفله المبادئ الإنسانية والقواعد الدولية، التي تحمي عمل المؤسسات الإغاثية والطبية وتضمن وصولها إلى المدنيين في مناطق النزاعات، كما توفر الحماية لطواقمها التي تخاطر بحياتها من أجل إنقاذ الآخرين. وأي إجراءات تعيق هذه المؤسسات أو تحد من قدرتها على أداء رسالتها تمس جوهر العمل الإنساني وقيمه.

ومن هنا يبرز دور الإعلام الفلسطيني والعربي والدولي، فالمعركة الإنسانية تحتاج إلى صوت ينقل الحقيقة ويكشف آثار السياسات التي تعرقل عمل المؤسسات الإغاثية. فالإعلام ليس مجرد ناقل للحدث، بل أداة ضغط قادرة على تحريك الرأي العام العالمي ودفع المؤسسات الحقوقية والإنسانية إلى التحرك.

إن المرحلة الحالية تتطلب حملة إعلامية وصحفية واسعة لتسليط الضوء على تداعيات مغادرة الأجانب من المؤسسات الطبية في غزة، والضغط من أجل ضمان استمرار عمل المنظمات الإنسانية بعيدًا عن أي إجراءات تعيق رسالتها.

فالدفاع عن أطباء بلا حدود ليس دفاعًا عن مؤسسة فقط، بل هو دفاع عن حق الإنسان الفلسطيني في العلاج والحياة والكرامة، وعن القيم الإنسانية التي يجب أن تبقى فوق الحروب والصراعات.