إنقاذ غزة وتجديد التمثيل: لحظة الحقيقة الفلسطينية
نشر بتاريخ: 2026/08/27 (آخر تحديث: 2026/08/27 الساعة: 02:26)

ما يجري في القاهرة والعلمين هذه الأيام ليس مجرد حوار فلسطيني آخر يُضاف إلى سلسلة الاجتماعات العقيمة التي استهلكت الأعمار. لا. هذه المرة، ثمة من يجرؤ على مواجهة المرآة وقول الحقيقة المجردة: النظام السياسي الفلسطيني، بكل تراكماته البائسة، قد وصل إلى نهاياته الطبيعية.

رغم الشكوك المحقة حول جدية إجراء الانتخابات نهاية نوفمبر، ووعورة الطريق، فإن دماً جديداً تحرك في شرايين الحياة السياسية الراكدة. ولكن الحدث الجوهري، الذي غيّر قواعد اللعبة برمتها، تمثل في قرار حركة حماس المصيري بترك حكم غزة والتحول إلى حزب سياسي يشارك في الحياة السياسية، متجاوزة بذلك حالة التماهي بين السلطة والمقاومة، ومثبتة أن الحرب والدمار، مهما بلغت قسوتها، لم تكسر إرادة التجدد، بل كسرت جمود العقل السياسي وفتحت الباب أمام شراكة حقيقية لم تكن متاحة من قبل.

وهنا يبرز الدور المحوري الذي لعبه تيار الإصلاح برئاسة محمد دحلان، ذلك التيار الذي حقق في أسابيع معدودة ما عجزت عنه عقود من الحوارات المكرورة والعقيمة. استند التيار إلى إرث علاقاته مع حماس في غزة والقائد الشهيد يحيى السنوار، متجاوزاً آلام مرحلة الانقلاب بحنكة ومسؤولية وطنية، ونجح، عبر شبكة علاقاته العربية والدولية، في إنجاز مناورة استراتيجية غير مسبوقة: سحب ورقة القضية الفلسطينية وحركة حماس من طاولة التفاوض الأميركية والإيرانية معاً. هذا ليس مجرد ابتكار سياسي، بل إعادة تعريف للعبة برمتها؛ إذ يصر التيار، في بياناته وخطاب قادته، على أن بقاء حماس والجهاد في الحياة السياسية هو ضرورة وطنية، رافضاً مبدأ الإقصاء تحت أي ذريعة، ومؤسساً لعهد جديد من التعددية الحقيقية بعد أن أزاحت الحركة عن نفسها عبء الإدارة اليومية لقطاع غزة.

في أسابيع قليلة، اجتهدت تيارات وشخصيات من كل الأطياف لتشكيل قوائمها الانتخابية، ليس طمعاً بالمناصب، بل إيماناً بضرورة إنقاذ الحالة الفلسطينية من غياب التمثيل وحالة الموات. هذه الانتخابات، إن تمت، ستكون فاصلة بين حقبة النظام المتكلس الذي استنزف شرعية الكفاح، وحقبة جديدة عنوانها التعددية المؤسسية والشراكة الفعلية، والتي أصبحت ممكنة عملياً بعد أن خلعت حماس ثوب السلطة لتلبس ثوب الحزب السياسي.

لكن الأهم ، هو المشهد الذي سيتشكل، حتى لو لم تُعقد الانتخابات في موعدها. فلن تغلق الكتل السياسية دفاترها كما حدث في انتخابات 2021 الملغاة. فقد فات أوان التراجع؛ ستتحول هذه الكتل حتماً إلى تيارات سياسية جديدة، تبحث عن شرعيتها إما في صندوق الاقتراع، أو في الشارع الذي يئس من قاعات الاجتماعات المغلقة. لن يكون هناك مكان لمن يبيعون الحنين إلى التاريخ النضالي بديلاً عن خوض معركة الحاضر وحاجات الناس .

الثابت الذي لا رجعة فيه، أن هذا الشعب العظيم، الذي دفع أثماناً باهظة، توصل إلى خلاصاته العبقرية: أدرك أن النظام السياسي استنفد أغراضه، وأن الجمود لم يعد مجرد أزمة، بل أصبح ممراً إلزامياً لتصفية القضية نفسها تحت غبار الانشغالات الداخلية.

النظام الحالي مات سريرياً، وما يجري في القاهرة من حوارات مزمنة ليس أكثر من محاولة إنعاش للجثة. ولن تنجح هذه المحاولة إلا إذا تحولت إلى مشروع بناء جديد من رماد القديم: شرعية شعبية، تداول ديمقراطي حقيقي، فصل بين السلطات، ومكافحة فساد، ووحدة جغرافية ومؤسسية لا تقبل التجزئة. أما إعادة إنتاج النظام البائس نفسه، تحت عناوين براقة، فهي خيانة صريحة لدماء من ضحوا من أجل وطن لم يتحقق بعد.

فلنكن صريحين مع أنفسنا، وخارج حسابات المصالح الضيقة: إما تجديد جذري يمهّد لكيان سياسي موحد، قادر على مواجهة الترحيل الجماعي والضم والاستيطان، وإما الغرق الحتمي في مستنقع الماضي. إنها لحظة الحقيقة. من كان صادقاً في دفاعه عن المشروع الوطني، فليمضِ قدماً ويغادر مربع الانتظار والتردد. ومن كان أسير مصالحه الفئوية، فليعتزل، فالتاريخ والشعب المنكوب لن يرحم.