بين طبقة النبلاء وأبناء التنظيم... لماذا ابتعدنا؟
نشر بتاريخ: 2026/08/28 (آخر تحديث: 2026/08/29 الساعة: 00:04)

من يعتقد أن التصفيق الدائم لطبقة النبلاء في الحركة أمرٌ مفيد، فهو مخطئ، فالتصفيق لا يصنع قيادة ناجحة، ولا يخفي آلام الناس، ولا يمحو سنوات طويلة من القرارات التي دفعت ثمنها أسر الشهداء والأسرى وأبناء التنظيم وموظفو قطاع غزة...

منذ زمن يبدو أن طبقة النبلاء لم تعد ترى ما يعانيه أبناء الحركة، ولم تعد تسمع صرخاتهم ولا تشعر بما يثقل كاهلهم، فمنذ أعوام قُطعت أرزاق أسر الشهداء، تلك الأرواح التي قدمت أغلى ما تملك من أجل الوطن والمشروع التحرري، وترك الشهداء أبناءهم ليعيشوا بكرامة، فإذا بأبنائهم يجدون أنفسهم محرومين من حقوق كان يفترض أن تكون محفوظة ومصانة...

هؤلاء الشهداء لم يقدموا أرواحهم من أجل المناصب، ولم يصعدوا إلى مذبح الحرية بحثًا عن امتيازات، بل ضحوا من أجل وطن وشعب وقضية، وكان أقل الوفاء لهم أن تُصان كرامة أبنائهم وأسرهم، لا أن يصبح رزقهم محل قرار أو عقوبة أو خلاف سياسي...

ثم امتدت المأساة إلى الأسرى والمحررين، إلى أولئك الذين قضوا أعمارهم خلف قضبان الاحتلال، في باستيلات العدو، وتحملوا التعذيب والقهر والحرمان من أجل فلسطين، ومع ذلك قُطعت رواتب بعضهم، وكأن سنوات العمر التي ذهبت في السجون لم تكن كافية، وكأن من ضحى بحريته من أجل الوطن يمكن أن يُعاقَب بعد خروجه من الأسر...

ولم يرتجف جفن طبقة النبلاء أمام ما ارتكبته أيديهم بحق أبناء الوطن،

ولم يتوقف الأمر عند أسر الشهداء والأسرى، بل وصل الحقد السياسي إلى موظفي غزة وأهلها، وكأن قطاع غزة أصبح عبئًا، أو حمولة زائدة على من يجلسون بعيدًا عن وجع الناس ومعاناتهم، فدفع أبناء التنظيم فاتورة قاسية، ودفع معها آلاف الموظفين والأسر ثمنًا لم يكن لهم يد فيه...

وحين رفعنا أصواتنا عاليًا، مجلجلة ليسمعها القاصي والداني، دفاعًا عن حقوق الناس وكرامتهم، ورفضًا للظلم الذي وقع عليهم، اتُّهمنا بما اتُّهمنا به، وأُلصقت بنا التهم من كل جانب...

لكننا نقول اليوم، كما قلنا بالأمس: لا يضيرنا ما قيل فينا، ويكفينا شرفًا أننا حافظنا على كرامتنا، ودافعنا عن كلمتنا، وأبقيناها حرة كما تعلمناها داخل تنظيمنا الذي نحمل له كل الحب والخير، فنحن لم نختلف مع فتح الوطن والتاريخ والتضحيات، ولم نختلف مع أبناء الحركة الذين قدموا الشهداء والأسرى والجرحى، وإنما كان خلافنا مع سياسات وقيادات وطبقة من النبلاء لم تعد ترى أبناء التنظيم، ولم تعد تستمع إلى همومهم...

هم في واد، وأبناء التنظيم في وادٍ آخر، وكأن أبناء الحركة أصبحوا غرباء داخل تنظيمهم...

ومن هنا، يجب أن يسأل الجميع أنفسهم سؤالًا صريحًا: لماذا ابتعد الكثيرون؟ ولماذا وصل الخلاف إلى هذا الحد؟ ولماذا وُجّهت إلى أبناء تيار الإصلاح الديمقراطي أبشع الاتهامات؟

هل كان الخلاف بين القواعد حقًا؟

أم أن الخلاف الحقيقي كان بين القيادات والسياسات والقرارات؟

وهل لم يكن لدى من اتهموا أبناء التيار بكل تلك التهم إدراك بأن الخلاف السياسي يمكن أن يُحل يومًا ما، وأن أبناء فتح سيبقون أبناء قضية واحدة وحركة واحدة مهما اشتدت الخلافات؟

لقد جاءت الحرب الملعونة، وكشفت الكثير من الحقائق، ومنذ اللحظة الأولى، كانت تعليمات قيادتنا واضحة: كل أبناء شعبنا سواسية، في كل شيء وهكذا كان العمل على الأرض...

لم نسأل المحتاج عن لونه السياسي، ولم نفتش في انتمائه الحزبي، ولم نسأل قبل تقديم المساعدة مع من أنت؟ ومن تؤيد؟

كان الإنسان الفلسطيني هو القضية،

وكانت غزة الجريحة بحاجة إلى كل يد تمتد إليها، وإلى كل قلب يشعر بألمها.

عمل تيار الإصلاح الديمقراطي بين أبناء شعبنا دون تمييز، وكان سندًا لكل من تقطعت به السبل، ولكل أسرة فقدت الأمن والغذاء والمأوى، لأن الكبار في الأزمات لا يسألون عن الانتماء قبل أن يقدموا المساعدة.

هكذا تُدار الأزمات...

وهكذا يتعامل أصحاب المسؤولية مع شعوبهم...

ومنذ سنوات، لم ينفك الأخ أبو فادي، والأخ أبو باسل، عن التأكيد بأن اليد ممدودة لكل أبناء فتح، بل ولكل أبناء شعبنا الفلسطيني، لم يكن الحديث يومًا عن الإقصاء أو الانتقام أو تصفية الحسابات، بل عن الوحدة ولمّ الشمل والبحث عن مستقبل أفضل لأبناء شعبنا.

وكانت رسالة أخونا الكبير أبو فادي واضحة عندما قال: اتحدوا، وعلى حسابي أنا، فأنا لا أريد إلا الخير لأبناء شعبي.

هذه ليست مجرد كلمات، بل موقف يجب أن يُبنى عليه.

واليوم، ونحن نتابع ما جرى في لقاء القاهرة، وما تحدث به أخونا أبو باسل، نجد أن السؤال ما زال قائمًا: أين الرد الحقيقي من حركة فتح؟ وأين الخطوات العملية التي تثبت أن هناك رغبة صادقة في إنهاء هذا الانقسام؟

بدلًا من التقاط اليد الممدودة والبناء على الأجواء الوحدوية، ما زلنا نسمع أصواتًا وتصريحات تزيد المشهد توترًا، وتسيء إلى فرص التقارب، وتعيدنا إلى مربع الاتهامات والتخوين.

وهنا تصبح المسؤولية أكبر من مجرد تصريحات.

إن شعبنا لم يعد يحتمل المزيد من الانقسام، وأبناء فتح لم يعودوا يحتملون استمرار الصراع بين القيادات، بينما القواعد تدفع الثمن، والوطن يمر بأخطر مراحله.

لقد آن الأوان لأن يفهم الجميع أن القوة ليست في إقصاء الآخر، ولا في قطع رواتب الناس، ولا في تخوين المخالف، ولا في صناعة طبقة من النبلاء تعيش بعيدًا عن أبناء التنظيم.

القوة الحقيقية في الاستماع للناس.

في احترام تضحيات الشهداء.

في إنصاف الأسرى.

في حفظ كرامة الموظفين.

وفي إعادة الاعتبار لأبناء التنظيم الذين حملوا فتح في أصعب الظروف، ولم يتركوها رغم كل ما تعرضوا له.

نحن لا نكره فتح، ولن نكرهها.

فتح أكبر من الأشخاص، وأكبر من المناصب، وأكبر من طبقة النبلاء.

فتح هي تاريخ الشهداء والأسرى والجرحى، وهي أبناء المخيمات، وهي المناضلون الذين حملوا الحلم الفلسطيني منذ البدايات.

أما القيادات، فهي تأتي وتذهب.

ويبقى الوطن.

ويبقى الشعب.

ويبقى التاريخ شاهدًا على من وقف إلى جانب الناس، ومن اختار أن يعيش بعيدًا عن آلامهم.

والسؤال الذي يجب أن يبقى أمام الجميع اليوم هو:

هل نريد فتحًا لكل أبنائها، أم فتحًا لطبقة النبلاء فقط؟

فالوطن يحتاج إلى الجميع، والحركة تحتاج إلى جميع أبنائها، وشعبنا في هذه المرحلة التاريخية لا يحتاج إلى مزيد من الكراهية والانقسام، بل إلى قيادة تسمع، وتحتوي، وتفتح أبوابها للجميع.

وستبقى اليد ممدودة من أجل الوحدة، لأننا تعلمنا أن الخلاف مهما طال لا يجب أن يتحول إلى عداوة، وأن فلسطين أكبر من الجميع، وأن كرامة أبناء شعبنا يجب أن تكون فوق كل الحسابات...