خاص|| «الانتخابات لإقرار الهزيمة؟».. أحمد غنيم يكشف أخطر الملفات في المشهد الفلسطيني
نشر بتاريخ: 2026/09/12 (آخر تحديث: 2026/09/13 الساعة: 02:07)

تقرير: علي أبو عرمانة - في وقت تستعد فيه الساحة الفلسطينية لاستحقاق انتخابي طال انتظاره، يفتح عضو المجلس الوطني الفلسطيني أحمد غنيم، في حوار خاص على قناة «الكوفية»، ملفًا يتجاوز موعد الانتخابات وآليات إجرائها، ليضعها في قلب معركة أوسع حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وشكل القيادة المقبلة، وموقع القوى الفلسطينية في المشهد.

غنيم يرى أن الانتخابات المقبلة لا ينبغي أن تكون مجرد استحقاق لتجديد المقاعد والشرعيات، وإنما فرصة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وإنهاء حالة الانقسام، محذرًا في الوقت ذاته من أن تتحول الانتخابات إلى وسيلة لإعادة إنتاج الأزمة نفسها، أو إلى أداة لإقصاء مكونات فلسطينية من المشهد.

فتح أمام اختبار مختلف

بحسب غنيم، فإن الانتخابات المقبلة يجب أن تكون مختلفة عن سابقاتها، لأنها تأتي في ظروف استثنائية، بعد حرب مدمرة وفي ظل استمرار التحديات التي تواجه الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، فضلًا عن التحولات الإقليمية والدولية المرتبطة بالمشهد الفلسطيني.

لكن المفارقة، وفق قراءته، أن جزءًا من القوى السياسية يدخل الانتخابات من بوابة أزمته الداخلية، وليس من بوابة تقديم مشروع جديد للفلسطينيين.

وفي هذا السياق، يوجه غنيم انتقادًا مباشرًا إلى حركة فتح، معتبرًا أن التحضيرات القائمة تشير إلى محاولة «إعادة إنتاج نفس المنظومة الحاكمة» بدل إحداث تغيير حقيقي في المشهد السياسي.

ويطرح سؤالًا أكثر إحراجًا: ماذا ستقدم القيادة الحالية للفلسطينيين بعد سنوات من الأزمات والانقسام والحرب؟

ويذهب أبعد من ذلك عندما يتحدث عن الحاجة إلى «قيادة جديدة»، معتبرًا أن تداول السلطة وتجديد القيادة جزء أساسي من العمل السياسي، وأن استمرار المنظومة ذاتها يعني استمرار الأزمة نفسها.

«السكين على رقبة حماس».. حسابات التحالفات

في المقابل، يقرأ غنيم تحركات حركة حماس باعتبارها ناتجة عن أزمة سياسية عميقة تواجهها في ظل الحرب، مشيرًا إلى أن الحركة تحاول الحفاظ على موقعها داخل المنظومة السياسية الفلسطينية.

ويصف وضعها بالقول إن «السكين على الرقبة»، وإنها تبحث عن تحالفات تمكنها من الاستمرار داخل النظام السياسي.

وفي هذا السياق، يتوقف غنيم عند التقارب بين حماس وتيار الإصلاح الديمقراطي، معتبرًا أن التحالف يمثل بالنسبة لحماس «تحالف ضرورة» لمنع شطبها من النظام السياسي الفلسطيني.

ويرى أن هذه التحالفات لا يمكن قراءتها بمعزل عن الضغوط المحيطة بالانتخابات، وما يراه محاولة لإعادة ترتيب شكل النظام السياسي وموقع القوى المختلفة داخله.

«يريدون من الفلسطينيين الإقرار بالهزيمة»

هنا يصل الحوار إلى أكثر نقاطه إثارة، غنيم يطرح قراءة حادة لطبيعة الانتخابات المرتقبة، معتبرًا أن أحد أهدافها، وفق تصوره، هو إخراج حماس من المشهد السياسي، ليس فقط كقائمة مستقلة، وإنما حتى عبر منع مشاركتها ضمن قوائم أو تحالفات أخرى.

ومن هذه النقطة يطلق عبارته الأكثر صدمة: «يريدون من الفلسطينيين الإقرار بالهزيمة».

ويشرح غنيم أن إعادة بناء النظام السياسي على أساس استبعاد قوى فلسطينية، من وجهة نظره، تعني دفع الشعب الفلسطيني إلى التعامل مع الحرب ونتائجها باعتبارها هزيمة سياسية، وليس مجرد معركة انتهت أو ستنتهي.

ويحذر من أن الاعتراف بالهزيمة سياسيًا ستكون له تداعيات تتجاوز الانتخابات نفسها، لأن الشعب الذي يُطلب منه، بحسب رؤيته، أن يقبل بالهزيمة لن يكون قادرًا على فرض مطالبه السياسية أو انتزاع دولة فلسطينية.

ويضيف أن الفلسطينيين لا يمكن أن يقبلوا بانتخابات ديمقراطية تتحول في الوقت ذاته إلى أداة لشطب مكون أساسي من مكونات المجتمع السياسي.

«قلب السحر على الساحر»

لكن غنيم لا يتعامل مع الانتخابات باعتبارها أمرًا محسومًا لصالح هذا المسار.

على العكس، يرى أن الفلسطينيين يستطيعون استخدام الانتخابات نفسها لقلب المعادلة، ويختصر رؤيته بعبارة لافتة: «على الفلسطينيين أن يستخدموا هذه الانتخابات لقلب السحر على الساحر».

ومن هنا يطرح الانتخابات باعتبارها أداة يمكن أن تعيد القرار إلى الشعب الفلسطيني، لا أن تفرض عليه نتائج سياسية مسبقة.

ويرى أن المنتخبين، أيًا كانت القوائم التي ينتمون إليها، يستطيعون بعد الانتخابات التأكيد أمام العالم أنهم يمثلون الإرادة الشعبية الفلسطينية، وأن أي ترتيبات خارج هذا التفويض لا يمكن أن تتجاوز إرادة الناخب الفلسطيني.

الانتخابات كمدخل لاستعادة وحدة النظام السياسي

في رؤية غنيم، لا تنتهي القضية عند تشكيل المجلس التشريعي، بل تبدأ من هناك معركة إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.

فهو يطرح الانتخابات كمدخل إلى وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة، وتوحيد النظام السياسي، وتشكيل حكومة وطنية واحدة، مع رفض الإملاءات الخارجية التي تحاول رسم مستقبل الفلسطينيين بعيدًا عن إرادتهم.

ويحذر من سيناريو يؤدي إلى وجود منظومتين للحكم في جغرافيا فلسطينية واحدة، معتبرًا أن استمرار هذا الواقع يعني تكريس الانقسام بدل إنهائه.

ومن هذا المنطلق، يشدد على أن الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس يجب أن تبقى وحدة سياسية واحدة، وأن الانتخابات يمكن أن تكون مدخلًا جديًا لتحقيق ذلك.

«صاعقة وقعت على القيادة».. ماذا كشف تحالف تيار الإصلاح وحماس؟

ويكشف غنيم أن التحالف المحتمل بين تيار الإصلاح الديمقراطي وحركة حماس أحدث، وفق تعبيره، «صاعقة وقعت على القيادة الفلسطينية»، وأوجد حالة من الارتباك السياسي، معتبرًا أن حجم التحرك الذي أعقب الإعلان عن التحالف يؤكد أنه لم يُقرأ باعتباره مجرد ترتيب انتخابي عابر.

وفي المقابل، يكشف عن وجود مسار ثالث يعمل على بناء تحالف وطني هدفه التغيير، لا مجرد الحصول على مقاعد.

ويقول إن هذا المسار يستهدف تغيير القيادة، لكن ليس تغيير الأشخاص فقط، وإنما تغيير النهج والبرنامج والرؤية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتقديم أمل جديد للفلسطينيين.

«هذه ليست قيادة».. الهجوم على عقلية الانتظار

وفي واحدة من أكثر فقرات الحوار وضوحًا، يهاجم غنيم ما يسميه «القيادة الانتظارية»؛ أي القيادة التي تنتظر تغير موازين القوى الإقليمية والدولية لتقرر بعدها ماذا تفعل.

ويضع معيارًا مختلفًا للقيادة، قائلًا إن القيادة الحقيقية هي التي تكون فاعلة في الأحداث، وتفرض نفسها على طاولة القرار، وتطرح أجندتها، وتصنع أحداثًا محلية تؤثر في العاملين الإقليمي والدولي.

أما انتظار المتغيرات من دون صناعة تأثير فلسطيني، فيقوده إلى خلاصة شديدة اللهجة: «هذه ليست قيادة».

أبعد من الانتخابات.. جبهة وطنية بلا إقصاء

وفي نهاية الحوار، تتبلور رؤية غنيم بصورة أكثر وضوحًا: القضية ليست مجرد انتخابات ولا مجرد تحالفات انتخابية، وإنما إعادة بناء نظام سياسي فلسطيني كامل.

ويؤكد أن إعادة بناء النظام السياسي تحتاج إلى مشاركة الجميع دون إقصاء أو استبعاد، محذرًا من أن إقصاء أي طرف سيخلق إشكاليات تعيق عملية البناء.

كما يدعو إلى جبهة وطنية يشارك فيها الجميع، معتبرًا أن توحيد الشعب الفلسطيني وإصلاح النظام السياسي مساران متلازمان، وليس أحدهما بديلًا عن الآخر.

 

ما بعد الانتخابات.. معركة على شكل النظام السياسي

من خلال حديث أحمد غنيم، تبدو الانتخابات الفلسطينية المقبلة أكبر من مجرد استحقاق انتخابي؛ فهي، في قراءته، معركة على شكل النظام السياسي، وعلى من يملك حق تمثيل الفلسطينيين، وعلى ما إذا كانت الانتخابات ستعيد إنتاج المنظومة القائمة أم تفتح الباب أمام تغيير حقيقي.

وبينما يرى غنيم أن بعض القوى تستعد للانتخابات من داخل أزماتها، يطرح مسارًا آخر يقوم على التغيير وتجديد القيادة واستعادة وحدة النظام السياسي.

أما المفارقة الأكثر إثارة في حديثه، فتتمثل في تحويل الانتخابات من أداة قد تُستخدم لإقصاء مكونات فلسطينية إلى فرصة لـ«قلب السحر على الساحر» وإعادة القرار إلى صندوق الاقتراع وإرادة الشعب.

وفي قلب هذه المعركة يبقى السؤال الذي يطرحه غنيم بصورة مباشرة: هل تكون الانتخابات الفلسطينية بوابة لتجديد الشرعية وإعادة بناء النظام السياسي، أم تتحول إلى محطة لإعادة إنتاج الأزمة وإخراج قوى فلسطينية من المشهد؟