في مساء هادئ، قرأت خبراً أزعجني عن قطع العلاقات الدبلوماسية بين الأشقاء الجزائر والإمارات، وتابعت التوتر الدبلوماسي المتصاعد بين إسرائيل وبريطانيا، وأزمات أخرى تتنقل بين عواصم العالم، وتستخدم فيها الدول علاقاتها الدبلوماسية كسلاح سياسي.
أغلقت هاتفي، وأغمضت عيني على سرير أحلامي، في خيمتي بمواصي خانيونس. ورغم حرّ الفرن الذي يحيط بنا، نمت على وسادة المستقبل، ودخلت من نافذة حلمي إلى عالم آخر.
رأيت العواصم العربية والغربية تستيقظ على موقف واحد: سحب السفراء من إسرائيل، ووقف التمثيل الدبلوماسي معها، احتجاجاً على الحرب الطاحنة في غزة.
رأيت السفارات تُغلق أبوابها، والسيارات الدبلوماسية تغادر، والأعلام تُطوى، والبيانات هذه المرة لا تتحدث عن «القلق» و«ضبط النفس» و«الشجب والاستنكار»، بل عن قرارات واضحة: وقف الحرب، حماية المدنيين، إدخال المساعدات، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، والذهاب إلى حل سياسي عادل.
ابتسمت في حلمي وقلت: لماذا لا يكون هذا ممكناً؟
وتذكرت الروائية والشاعرة الجزائرية أحلام مستغانمي، وما تحمله كتاباتها من إيمان بقوة الحلم، فقلت: نريد أحلاماً مجنونة تلامس الواقع الفلسطيني، أحلاماً لا تخاف من المستحيل.
فالسفارة ليست مجرد مبنى، والسفير ليس مجرد موظف دبلوماسي. العلاقات بين الدول إحدى أدوات القوة الناعمة، ويمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط عندما تتوفر الإرادة السياسية.
والعالم شهد نماذج كثيرة لسحب السفراء، وخفض التمثيل الدبلوماسي، وتعليق العلاقات أو قطعها احتجاجاً على سياسات دول أخرى. كما شهدت الحرب على غزة مواقف دبلوماسية مختلفة، من سحب سفراء إلى الاعتراف بدولة فلسطين.
لكن ماذا لو تحولت المواقف المتفرقة إلى موقف عربي وغربي جماعي؟
ماذا لو وقفت الدول العربية وقفة رجل واحد، فسحبت سفراءها من إسرائيل، أو خفضت مستوى علاقاتها معها، وربطت عودة العلاقات بوقف الحرب، وحماية المدنيين، ووقف الاستيطان، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير؟
وماذا لو انضمت إليها دول أوروبية وآسيوية وأفريقية وأميركية لاتينية، فأصبحت إسرائيل أمام جبهة دبلوماسية واسعة، لا أمام بيانات منفردة؟
قد لا تنهي الدبلوماسية الاحتلال وحدها، لكنها تستطيع رفع كلفة استمرار الحرب، وتغيير الحسابات السياسية، وتحويل التضامن من كلمات إلى أفعال.
قد يقول البعض: إنه مجرد حلم.
نعم، إنه حلم... لكنه أقل كلفة من الحرب، وأكثر إنسانية من الركام، وأقرب إلى لغة السياسة من لغة القنابل.
ثم استيقظت من نومي، وعدت إلى الواقع.
وجدت السفارات في أماكنها، والسيارات الدبلوماسية تتحرك، والبيانات تتوالى، وغزة ما زالت تحتضر على رصيف انتظار التهجير والموت.
فقلت لنفسي:
إذا كانت الدول تملك ورقة العلاقات الدبلوماسية، فلماذا لا تستخدمها عندما تكون غزة بحاجة إلى موقف حقيقي؟
ربما يبقى حلمي حلماً على الورق... إلا إذا قرر العالم يوماً أن يحوّل الورق إلى موقف.