ترامب والنزول عن مسرح الهزل!
نشر بتاريخ: 2026/09/24 (آخر تحديث: 2026/09/24 الساعة: 13:33)

إذا أحصينا عدد المرات التي هدد بها الرئيس ترامب بمحو إيران عن الخريطة السياسية، وعدد المرات التي أكّد فيها على وجوب استسلامها قبل الموعد المحدد، مرة بـ48 ساعة، وأخرى بـ5 أيام، وثالثة بأسبوعين، وأضفنا إلى ذلك كله عدد المرات التي قال، إنه أباد ودمّر وفجّر، معلناً أن إيران باتت بلا جيش، ولم يعد لها قدرة على إطلاق الصواريخ، ولم يعد لها أي قدرات بحرية أو جوية، وإذا ألحقنا بهذا كله عدد المرات التي ذكر فيها بأن إيران لم تجد، ولن تجد قيادات إيرانية للتحدث معها بعد أن تم اغتيالهم، إذا جمعنا هذا كله مع بعضه البعض نستطيع أن نفهم بعمق معنى ومغزى ودلالة مسرح الهزل.

وعلينا أن نذكر هنا بأن الرئيس ترامب في كل مرة كان يهاجم فيها إيران كان يقوم بالهجمات في أجواء تبريد الأمور، وأثناء سير المفاوضات، وبعيداً عن أي زخم من التهديد.

وعلينا أن نؤكد أيضاً بأنّ ترامب قد وجه لإيران ضربات قاتلة، إذ تجاوزت الأهداف التي ضُربت حاجز الـ»ستة عشر ألف هدف» وفق مصادر مستقلة وبما يشبه الإجماع من مختلف المصادر.

أما لماذا نرى أن ترامب سينزل عن مسرح الهزل قريباً فهذه قصة تحتاج إلى شرح. ولنُزول الرئيس ترامب عن مسرح الهزل جانبان هنا:

الأول مرعب ومخيف ومفاده أن أزمات ترامب قد وصلت إلى ذروتها، وأن اليأس والإحباط قد أوصله إلى الاختناق، وأن عليه أن يقرر، اليوم، وليس، غداً، أن يضرب بقوه، وبكل ما يمتلك من قدرات عسكرية مدمرة. وهذا هو الجانب الأول للنزول عن المسرح.

أما الجانب الثاني فهو الذهاب، اليوم، وبسرعة إلى حل سياسي سريع، وليس غداً، وليس بعد فوات الأوان، لأن الأوان يمكن أن يفوت فعلاً، ويمكن أن يصبح كل شيء قد تأخر أكثر من اللازم.

دعونا هنا نفسر ونشرح باختصار لماذا وصلنا إلى هنا؟ ولماذا على الرئيس ترامب أن يتخذ قراره، وان يحدد وجهته؟

السبب هو عقارب الساعة، الزمن، والزمن المتبقي لديه، وهو السبب الذي يحتل الأولوية المطلقة بالمقارنة مع أي أسباب أخرى.

وبحساب بسيط، لم يتبقَ أمام الرئيس ترامب سوى خمسة أسابيع على موعد الانتخابات النصفية لمجلس الكونغرس، وسوى أربعة أسابيع على الانتخابات الإسرائيلية.

فإذا كان الرئيس ترامب ومعه نتنياهو لا يفكران بتأجيل هذه الانتخابات أو إلغائها (وهذه مسألة يجب أن تظل في الذهن) فإن أي حرب على إيران مهما كانت خاطفة وعنيفة ومدمرة، ومهما استُخدمت فيها من أسلحة خارقة، وحتى جديدة وتُستخدم لأول مرة فإن أحداً في هذا العالم لا يمكنه التكهن بانتهائها قبل مواعيد الانتخابات. كما لا يمكن التكهن بنتائجها، لا الأولية منها، ولا النهائية.

والأسباب هنا كثيرة ومعروفة من جمهور واسع من المتابعين والمهتمين. وهي تتراوح بين أسعار النفط، وانهيار البورصات، وأزمات التضخم والأزمات الداخلية لدى الاثنين والغلاء، إضافة إلى مخزونات النفط والذخيرة، وخصوصاً استطلاعات الرأي واتجاهات السقوط المدوي.

ولهذا كله فإن عقارب الساعة لها مفعول السحر، ولا مجال للتغافل عنها أو وضعها جانباً.

ويستحيل في الواقع أن يتم حسم معركة فاصلة بهذا القدر من الأهمية والخطورة في غضون فترة تقل عن كامل الفترة المتبقية على الانتخابات.

فهل هذا كله يرجح كفة النزول عن مسرح الهزل نحو حلول سياسية؟ ونحو الانتهاء من هذه المهزلة التي وصلت لها الوقائع في هذا الإقليم؟

ما أراه هو نعم. وما أراه أن إغلاق ستارة هذا المسرح الهزلي قد آن أوانها.

وإليكم الأسباب:

بما أن العقوبات، كل أنواع العقوبات، لن تُثني إيران عن التمسّك بشروطها (وهي تراها عادلة وطبيعية وليس فيها ما هو خارج حقوقها) فإن الاعتقاد بأن فترة شهر أو شهرين، أو حتى ستة أشهر، وربما اكثر من ذلك ستُعطي أُكُلُها هو وهْم وحماقة لا أساس لها من الصحة، خصوصاً وان أكثر من ٩٠٪ من السلع والخدمات الأساسية بالنسبة للأغلبية الساحقة من الإيرانيين لا تعتمد على التجارة الخارجية، وهي سلع وخدمات يتحكم بها الاقتصاد الإيراني الذاتي.

وبما أن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء الحصار عليها فإنها ستلجأ بكل تأكيد لتحويل حصارها إلى عبء موازٍ، وربما أكبر على الجهات التي تحاصرها، وهي تمتلك كل الأوراق التي تُمكّنها من ذلك.

وحتى في حالة الحرب، وليس فقط بواسطة العقوبات والحصار فإن لدى إيران ما تحوّل به العبء على من يفرضون عليها العقوبات، ويحاصرونها إلى عبء أعلى كلفة، والى قدرة على التحمل أقل بكثير من قدرة إيران على التحمل والأمور واضحة هنا، ولا مجال لإنكارها.

هذا ناهيكم عن أن تشديد الحصار والعقوبات سيؤدي موضوعياً إلى بناء تحالف إيراني روسي صيني أكثر ترابطاً، وأعمق في المجالات، وأكبر في المستويات، وأوثق في الزمن والمديات.

وهنا أيضاً، فإن جبهة الحرب، وجبهة العقوبات والحصار هي جبهة مفككة، قيادتها حمقاء، مأزومة، وحائرة ومتحيّرة، وخسرت كل حليف واستعدت الجميع، ولم تبقَ لها سوى حليف واحد، منبوذ سياسياً، وخائب عسكرياً وميدانياً، ومُسربلاً بالعار والجرائم، وهو كما الرئيس ترامب لا يفعل سوى التقافز بالحرب من جهة إلى أخرى دون أي استراتيجية سوى الأجرام والتوحُّش.

ومن يعتقد بأن نتنياهو وترامب معاً ما زالا يشكّلان بعبعاً سياسياً حتى لأقرب الحلفاء لهما فهو أكثر حُمقاً منهما معاً.

أما ما يُرجح كفّة الحل السياسي أكثر فهو أن إيران بذكاء شديد أخرجت النقاش حول السلاح النووي إلى العلن، ووصلت الأمور إلى النقاش تحت قبة البرلمان. وهنا علينا أن نكون على أعلى درجات الانتباه.

فحين يتم الإعلان عن نية إيران الانسحاب من وكالة الطاقة الذرية، وعن حق إيران في الحصول على هذا السلاح طالما أن كل سياساتها بالحصول على التقنية النووية السلمية لم تمنع أميركا وإسرائيل من مهاجمتها، فلماذا لا تفكر ببناء القدرات النووية العسكرية علّها تشكل رادعاً حقيقياً؟

ثم ألم تلاحظوا أن القيادات العليا في إيران بدأت تتحدث بلغة جديدة عن السلاح النووي الإسرائيلي في الآونة الأخيرة؟

إيران برأيي الخاص أدخلت العالم بعدة إيحاءات ومؤشرات في حالة الغموض النووي، وهذه الحالة أخطر بكثير من حالة الوضوح النووي، وهي رادع أقوى وأكبر وبما لا يُقاس من أي رادع آخر.

ولهذا كُله فإن النزول عن مسرح الهزل نحو الحلول السياسية هو الأرجح والله أعلى وأعلم.