نزهة الشعراء على بحر الهوى الفلسطيني
نشر بتاريخ: 2026/10/08 (آخر تحديث: 2026/10/08 الساعة: 17:00)

على شاطئ بحر خانيونس، في فش فرش، أخذنا من المساء فسحةً للروح، ونظّم المنتدى الأدبي «نبع الإبداع» نزهةً شعرية وفنية على أنغام العود، بصحبة الفنان الفلسطيني وعازف العود محمد عساف «أبو هاني».

كانت الشمس تميل نحو الغروب، فجلست على الشاطئ معنا، تروي حكاية عشقها للبحر؛ وكلما اقتربت منه احمرّت وجنتاها، في لوحة رومانسية تحاكي العاشقين. فيما كانت القصائد تصعد إلى السماء، كأنها تبحث عن نافذة للفرح وسط ذاكرة الحرب. ومع استكانة القهوة، امتزجت الأغاني الفلسطينية التراثية بصوت البحر، وتحولت الجلسة إلى مساحة للعصف الذهني وتلاقح الأفكار والحوار الثقافي والأدبي والفني.

حضر الشعراء: نضال بربخ، ومصطفى أبو عمرة، ومصلح أبو غالي، وشريف الهركلي، وفايز صالحة، وسالم الدبجي، وخالد الشيخ عيد الزاملي. وكانت نزهة دافئة، استعاد فيها الحرف الفلسطيني شيئًا من عافيته، وحلّق وحي الفكر على شاطئ الأدب.

حاولنا أن نهرب قليلًا من ذاكرة الحرب، وأن نمنح أرواحنا فرصة للقصيدة والغناء. ألقى كل شاعر قصيدته، حتى إذا أسدل الليل ستاره، بدا سالم الدبجي كأنه نور يخرج من عتمة البيوت الركامية، معلنًا أن القصيدة قادرة على شق طريقها من بين الأنقاض.

وفجأة، قال رئيس المنتدى للشاعر مصلح أبو غالي: «أنت ناقدنا الأدبي في المنتدى الأدبي نبع الإبداع»، وأكد الشعراء هذا الاختيار. وسال قلمي موثقًا اللحظات الجميلة، فيما أعجبتني دندنة مصطفى وفايز وخالد، بحروف وردية أمطرت سماءنا بقصائد نرجسية تنادي بعشق الوطن.

وكانت هناك «أصوات تحت الركام»، حين قدّم خالد الشيخ عيد الزاملي قصيدة عشق للجزائر. وكل الامتنان للأستاذ خالد عز الدين، وللجزائر الحبيب.

ودبك الطفل نضال بقدمه الصغيرة وهو يرتدي الكوفية، فاستحضرنا ذاكرة الإعلام الفلسطيني، من قناة الكوفية، وجريدة الصباح، ووكالة نور نيوز، و«البيادر» للوكالات، وغيرها من المنابر التي حملت الكلمة الفلسطينية.

وفي خيالنا، كان محمود درويش، وسميح القاسم، وفدوى طوقان، وتميم البرغوثي بيننا؛ أسماء صنعت من الشعر وطنًا، ومن الكلمة ذاكرة لا تموت. وجلس ناجي العلي يرسم حنظلة على الرمال، فيما كان غسان كنفاني يطرق جدران الذاكرة: لماذا لا تدقون جدران الخزان؟ وبدا السؤال موجّهًا إلينا أيضًا: هل تستطيع القصيدة أن تكون مطرقةً في زمن الركام، وأن تواصل الطرق على جدران الصمت حتى تصل أصواتنا إلى من هم خلف الجدار؟

ومن بعيد، أطلّ رجل سبعيني يحمل مذياعًا قديمًا، وكانت أم كلثوم تغني «لسه فاكر كان زمان»، بينما راح طفل يدندن: «وين الملايين؟ وين الشعب العربي؟». وبقي السؤال معلقًا بين موجة وأخرى.

ثم لعبنا لعبة الصراحة، وسألنا كل شاعر عن بداياته مع القصيدة: متى وُلدت الكلمة الأولى؟ ومن أين جاء ذلك الوهج؟ وكانت فقرة دافئة كشفت شيئًا من حكايات الشعراء الأولى.

وهنا تحدثت عن تنمية الخيال الإنساني؛ فالشاعر لا يبني عالمه بالكلمات وحدها، بل بما يختزنه من ثقافة وتأمل وقراءة وموسيقى وتجربة. فكما تُنمّي الأثقال الأجسام، تُنمّي الثقافة والتأمل والموسيقى والقراءة والقرآن الخيال وتثريه، وتمنح الإنسان القدرة على الغوص في بحر الكلمات، واقتحام غابات المعاني، وتحويل التفاصيل إلى صور، والمشاهد إلى حكايات، والأفكار إلى إبداع.

لكن سؤالًا ظل معلقًا في الهواء: هل نعود يومًا إلى رفح وخانيونس والوسطى وغزة والشمال، فنستعيد الأمكنة التي مزقتها الحرب، ونردّ إليها نبضها وذاكرتها؟

لقد أتعبنا الوهم السياسي، حتى بات حلمنا البسيط أن نشرب فنجان قهوة في بيتنا القديم؛ ذلك البيت الذي صار في ذاكرتنا حكاية تبدأ بـ«كان يا ما كان في قديم الزمان».

وهكذا لم تكن نزهتنا مجرد لقاء عابر، بل فسحة في رحاب الذاكرة والخيال والكلمة؛ ظل فيها الشعر يتدفق بمحاذاة «نبع الإبداع»، نهرًا فلسطينيًا يحمل الحكاية من جيل إلى جيل، ويؤكد أن غزة، رغم الحرب، ما زالت قادرة على أن تكتب وتغني وتحلم، وأن تترك للبحر قصيدة جديدة من قصائد الهوى الفلسطيني.