المعارضة الإسرائيلية… شريك في صناعة قوة نتنياهو
مصطفى إبراهيم
المعارضة الإسرائيلية… شريك في صناعة قوة نتنياهو
الكوفية تميل بعض التحليلات الإسرائيلية إلى تحميل بنيامين نتنياهو وحده مسؤولية استمرار الحرب واتساع رقعة المواجهات، لكن هذه القراءة تتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن المعارضة الإسرائيلية نفسها كانت، ولا تزال، أحد أهم مصادر القوة التي يستند إليها نتنياهو في البقاء والاستمرار.
ووفقاً لبعض المحللين الإسرائيليين الناقدين لنتنياهو، فإن المعارضة، بدلاً من أن تشكل بديلاً سياسياً حقيقياً أو أن تقود عملية محاسبة جدية للحكومة بعد فشل السابع من أكتوبر، ساهمت عملياً في رفع سقف نتنياهو ومنحته شبكة أمان سياسية وشعبية. ومن خلال انخراطها في حالة الإجماع القومي الصهيوني، تحولت إلى جدار حماية حال دون سقوطه في محطات عديدة كان يمكن أن تنهي مستقبله السياسي.
كان بإمكان المعارضة أن تستثمر حالة الغضب الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر لإظهار فشل نتنياهو وعجزه عن القيادة. فهو سياسي عُرف تاريخياً بالتردد والخوف من اتخاذ قرارات حاسمة عندما تكون كلفتها السياسية مرتفعة. لكن ما حدث كان العكس تماماً، إذ نجح في تحويل فشل الجيش والأجهزة الأمنية إلى فرصة لإعادة ترتيب موازين القوة داخل دولة الاحتلال، وتجنب المساءلة الشخصية عن الكارثة، بل وحتى الامتناع عن الاعتراف بأي مسؤولية سياسية عنها.
استطاع نتنياهو أن يروض المؤسسة الأمنية والعسكرية وأن يوظف إخفاقاتها لمصلحته، فيما كانت المعارضة منشغلة بالمشاركة في إدارة الأزمة أكثر من انشغالها بمحاسبة المسؤول عنها. فبدلاً من أن تكشف للرأي العام حجم الإخفاقات السياسية والأمنية، فضلت الانضمام إلى حالة التعبئة العامة تحت عنوان دعم الجيش والوحدة الوطنية، وهو ما منح نتنياهو الوقت والغطاء السياسي اللازمين لإعادة ترميم صورته.
وفي علاقته مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يدرك نتنياهو جيداً متى يتراجع ومتى يتقدم. فهو يفهم طبيعة السياسة الأميركية كما يفهم شخصية ترامب وحساباته. ولذلك، حتى عندما يتعرض لضغوط أميركية، يحاول تحويلها إلى رصيد سياسي داخلي.
فكل مواجهة أو خلاف مع واشنطن تُسوَّق داخل إسرائيل باعتبارها دليلاً على استقلالية القرار الإسرائيلي وعلى قدرة نتنياهو على قول “لا” للرئيس الأميركي عندما يتعلق الأمر بما يسميه اليمين الإسرائيلي المصالح القومية العليا.
ولهذا السبب لا يتعامل نتنياهو مع خلافاته مع الإدارات الأميركية باعتبارها تهديداً وجودياً. فقد خاض مواجهات سياسية مع إدارات أميركية متعاقبة، من بيل كلينتون إلى باراك أوباما وجو بايدن، وهو يدرك أن الولايات المتحدة ستبقى مضطرة للتعامل معه طالما بقي رئيساً للحكومة.
أما الخطر الحقيقي بالنسبة له فلا يأتي من واشنطن، بل من فقدان منصبه. فهو يعرف أن خروجه من رئاسة الوزراء يعني فقدان النفوذ والحصانة السياسية، وربما العودة إلى قاعات المحاكم أو إلى هامش الحياة السياسية. لذلك يخوض معاركه كافة باعتبارها معارك بقاء شخصي وسياسي، لا مجرد خلافات حول السياسات العامة.
ولهذا السبب يصبح التركيز على شخصية نتنياهو أمراً ضرورياً في أي تحليل سياسي جدي. فالعامل الحاسم في إسرائيل ليس فقط طبيعة النظام أو موازين القوى، بل الشخص الذي يمتلك صلاحية اتخاذ القرار النهائي. وفي عهد نتنياهو تركزت هذه الصلاحيات أكثر من أي وقت مضى في يد رئيس الحكومة.
لكن المسؤولية لا تقع على نتنياهو وحده. فالمعارضة الإسرائيلية تكرر الخطأ نفسه مرة بعد أخرى. فعندما تبدأ المدافع بالزئير، تتراجع الأصوات المعارضة ويعود معظم قادتها إلى الاصطفاف خلف الحكومة تحت عنوان “الوحدة الوطنية” أو “دعم الجيش”.
وباستثناء أصوات محدودة مثل يائير غولان، يختفي النقد الحقيقي وتغيب الأسئلة الصعبة، ويصبح الخطاب السياسي نسخة أخرى من خطاب الحكومة. أما شخصيات مثل نفتالي بينت وغادي آيزنكوت وأفيغدور ليبرمان وغيرهم، فرغم إدراكهم حجم الفشل الذي قاد إليه نتنياهو إسرائيل، فإنهم يترددون في خوض مواجهة سياسية حقيقية معه في قضايا الحرب والتصعيد العسكري، خشية خسارة أصوات الناخبين أو الظهور بمظهر الضعف أمام الرأي العام الإسرائيلي.
ويبدو أن هاجس استطلاعات الرأي وعدد المقاعد في الكنيست وشهوة الوصول إلى السلطة يدفع كثيراً من قادة المعارضة إلى تبني الخطاب الأمني نفسه الذي يروّج له نتنياهو، بدلاً من تقديم بديل سياسي واستراتيجي مختلف. وهكذا يتحول التنافس بينهم إلى مزايدة على من يبدو أكثر تشدداً، لا إلى منافسة حول كيفية إخراج إسرائيل من أزماتها المتفاقمة.
والنتيجة أن نتنياهو ينجح مرة بعد أخرى في الظهور بمظهر القائد الوحيد القادر على إدارة الأزمات، بينما يتحول منافسوه إلى مجرد نسخ مخففة منه. وبدلاً من أن يكونوا بديلاً له، يصبحون جزءاً من البيئة السياسية التي تسمح له بالاستمرار والبقاء.
لكن من الخطأ اختزال هذه النتيجة في أداء المعارضة الإسرائيلية وحدها. فنتنياهو استفاد أيضاً من أخطاء خصوم إسرائيل وأعدائها. فمنذ السابع من أكتوبر، ساهمت حسابات حركة حماس وأداء حزب الله والسياسات الإيرانية، بدرجات متفاوتة، في توفير البيئة التي سمحت له بإعادة بناء مكانته السياسية رغم مسؤوليته عن أكبر إخفاق أمني في تاريخ إسرائيل.
فبدلاً من أن تؤدي نتائج الحرب إلى إسقاطه سياسياً، وجد نتنياهو نفسه قادراً على استثمار استمرار المواجهات وتعدد الجبهات لإقناع الإسرائيليين بأن إسرائيل تواجه تهديدات وجودية متواصلة، وأن أي تغيير في القيادة خلال هذه المرحلة قد يحمل مخاطر أكبر.
لقد أخطأت قوى عديدة في تقدير كيفية إدارة الصراع مع إسرائيل، كما أخطأت في فهم قدرة نتنياهو على توظيف الحروب والأزمات لصالحه. وفي كثير من الأحيان، تحولت خطوات كان يُفترض أن تضعفه إلى عوامل ساعدته على تعزيز موقعه السياسي وإعادة إنتاج نفسه زعيماً لا غنى عنه في نظر جزء كبير من المجتمع الإسرائيلي.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الضربات العسكرية وحدها لم تحسم الصراعات في غزة أو لبنان أو مع إيران. ورغم عمليات الاغتيال والقصف والتصعيد المستمر، فإن إسرائيل لم تحقق الأهداف السياسية التي أعلنتها، بينما ازدادت التحديات الأمنية والإقليمية تعقيداً. وفي المقابل، لم تنجح القوى التي تواجه إسرائيل في منع نتنياهو من تحويل هذه المواجهات إلى رافعة سياسية تعزز بقاءه في السلطة.
ما تحتاجه إسرائيل، وفق هذا المنظور النقدي الذي يطرحه بعض الأصوات داخلها، ليس مزيداً من الشعارات ولا جولات جديدة من التصعيد، بل مراجعة شاملة للسياسات التي قادت إلى هذا المأزق.
فالحروب ليست نهاية الطريق، بل بداية لمسارات جديدة. والنجاح لا يقاس بعدد الأهداف التي يتم قصفها، بل بقدرة الدولة على بناء واقع سياسي وأمني أكثر استقراراً.
أما المعارضة التي تكتفي بترديد خطاب القوة وتخشى مواجهة نتنياهو في اللحظات الحاسمة، فإنها لا تقدم بديلاً حقيقياً، بل تتحول إلى شريك غير مباشر في إطالة عمر زعامته. والمفارقة أن كثيراً من خصومه في الداخل، كما حركة حماس وحزب الله وإيران في الخارج، ساهموا بأخطائهم السياسية والعسكرية في تعزيز موقعه السياسي ومنحه أسباباً إضافية للاستمرار في الحكم، بحيث تحولت الإخفاقات التي كان يفترض أن تسرّع سقوطه إلى فرص جديدة لإعادة بناء صورته وتعزيز مكانته داخل المجتمع الإسرائيلي.