سيد قطب.. المثقف الذي أسقطه الطموح بتولي الأوقاف فأنجبته المشنقة
نشر بتاريخ: 2026/06/08 (آخر تحديث: 2026/06/08 الساعة: 14:46)

في التاريخ العربي رجال صنعوا دولًا فماتت دولهم، ورجال قادوا جيوشًا فاختفت جيوشهم، ورجال جلسوا على العروش فلم يبقَ منهم سوى صورة باهتة في كتاب مدرسي..

لكن ثمة رجالًا لم يحكموا دولة، ولم يقودوا جيشًا، ولم يفوزوا بانتخابات، ولم يحصلوا على جائزة نوبل، ومع ذلك بقوا أحياء في الوعي العربي أكثر من كثير من الملوك والرؤساء، وكان سيد قطب واحدًا من هؤلاء....!!؟!!

فالرجل الذي يُقدَّم اليوم باعتباره أحد أهم منظري الإسلام السياسي في القرن العشرين، لم يبدأ حياته في مسجد، ولم يتخرج من معهد ديني، ولم يكن عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين منذ شبابه، بل بدأ حياته في مكان آخر تمامًا؛ في الأدب، وفي النقد، وفي أروقة الثقافة المصرية التي كانت آنذاك تشهد أعنف معارك الفكر وأكثرها بريقًا...

كان يحلم أن يكون اسمًا كبيرًا في جمهورية الأدب المصرية.

تلك الجمهورية التي كان يجلس على عرشها عمالقة من أمثال طه حسين، وعباس محمود العقاد، وتوفيق الحكيم، وسلامة موسى، ثم لاحقًا نجيب محفوظ....

كانت معركة الأدب في ذلك الزمن أشبه بمعركة زعامة سياسية؛ كل كاتب يريد أن يكون المرجعية الأولى، وكل مفكر يريد أن يحتل موقعه في التاريخ الثقافي لمصر والعالم العربي....

دخل سيد قطب تلك الساحة بثقة كبيرة وطموح أكبر، وكتب النقد الأدبي، وكتب المقالات الفكرية، وخاض سجالات مع رموز عصره، وأصدر كتبًا مثل:

«التصوير الفني في القرآن»، و«مشاهد القيامة في القرآن»، و«النقد الأدبي: أصوله ومناهجه»، و«طفل من القرية».

لكنه لم يصبح طه حسين، ولم يصبح العقاد، ولم يصبح توفيق الحكيم، ولم يتحول إلى ظاهرة أدبية عالمية كما حدث لاحقًا مع نجيب محفوظ....!!؟؟!!

بل إن أكثر المفارقات إثارة أن سيد قطب كان من أوائل من تنبهوا إلى موهبة نجيب محفوظ وكتبوا عنه بإعجاب، بينما ذهب محفوظ إلى العالمية، وبقي سيد قطب يبحث عن موقع مختلف....

لم يحصل على جوائز أدبية دولية كبرى، ولم ينل الاعتراف العالمي الذي ناله بعض أبناء جيله.

وهنا ربما بدأت أولى خيبات الرجل الكبرى...!!؟؟!!

فالمثقف الذي يرى نفسه مشروعًا استثنائيًا ثم يكتشف أن الأضواء تتجه إلى غيره، لا يخرج من التجربة كما دخلها.

وفي تلك المرحلة كان سيد قطب أقرب إلى مفكر اجتماعي منه إلى منظر إسلامي بالمعنى الذي عُرف به لاحقًا، اهتم بقضايا العدالة الاجتماعية والفقر والتفاوت الطبقي، وكتب كتابه الشهير «العدالة الاجتماعية في الإسلام» بلغة جعلت بعض خصومه يتهمونه بالتأثر ببعض الأفكار الاشتراكية السائدة آنذاك...

أما الأسطورة التي تُروَّج أحيانًا بأنه كان شيوعيًا فهي أقرب إلى المبالغات السياسية منها إلى الوقائع التاريخية؛ لم يكن شيوعيًا تنظيميًا أو عقائديًا، لكنه كان معنيًا بأسئلة العدالة الاجتماعية التي كانت تشغل اليسار العربي آنذاك...

ثم جاءت الرحلة التي غيرت الكثير في تكوينه الفكري.

أوفدته الدولة المصرية إلى الولايات المتحدة الأمريكية في بعثة تعليمية للاطلاع على نظم التعليم الحديثة، ذهب بوصفه موظفًا ومثقفًا، وعاد محملًا بنقد حاد للحضارة الغربية، وكأن الدولة أرسلته ليتعلم من الغرب فعاد مقتنعًا بأن أزمة الغرب أعمق من أن تُحل بالتكنولوجيا أو التقدم المادي....!!؟؟!!.

ثم جاءت ثورة يوليو 1952.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر فصول حياته إثارة للجدل.

فعلى عكس الصورة الشائعة، لم يكن سيد قطب عدوًا للثورة في بدايتها، بل كان مؤيدًا لها ومتحمسًا لمشروعها، وقريبًا من بعض دوائرها، وكانت له علاقة جيدة بجمال عبد الناصر في سنواتها الأولى...

لكن السياسة لا تعرف الصداقات الدائمة.

وتشير روايات كثيرة إلى أن سيد قطب كان يتطلع إلى دور مؤثر داخل النظام الجديد، وأن اسمه طُرح في أحاديث مختلفة مرتبطة بمواقع ثقافية أو سياسية، بل وارتبطت بعض الروايات بوزارة الأوقاف، وسواء صحت تلك الروايات كلها أو بعضها، فإن المؤكد أن الرجل كان يرى نفسه أكبر من مجرد متفرج على الثورة...!!؟!!

غير أن الثورة سارت في طريق، وسيد قطب سار في طريق آخر.

فالضباط كانوا يبنون دولة مركزية قوية تقودها السلطة.

أما سيد قطب...

فكان يتجه شيئًا فشيئًا نحو رؤية تجعل المرجعية العليا للعقيدة لا للنظام السياسي.

وهنا بدأ الافتراق....!!؟!!

وفي هذه الأثناء كان قد اقترب من جماعة الإخوان المسلمين، ثم انضم إليها بالفعل وأعطى البيعة التنظيمية المعمول بها داخل الجماعة، لكنه لم يكن من الجيل المؤسس، ولم يكن من رجال حسن البنا الأوائل، ولم يصبح مرشدًا عامًا للجماعة ولا قائدها التنظيمي الأول...

بل إن المفارقة أن نفوذه لم يكن نابعًا من موقع إداري بقدر ما كان نابعًا من مكانته الفكرية.

كان الرجل الذي يكتب الأفكار، لا الرجل الذي يدير المكاتب.

وكان المرجعية الفكرية أكثر منه المسؤول التنفيذي.

وبمرور الوقت أصبح تأثيره داخل الجماعة يتجاوز أحيانًا حدود الموقع التنظيمي نفسه....

ثم وقع الصدام الكبير بين نظام عبد الناصر والإخوان المسلمين.

اعتُقل سيد قطب ضمن حملات الاعتقال الواسعة التي طالت الجماعة بعد أزمة 1954، وقضى سنوات طويلة في السجن.

وهناك وُلد سيد قطب الآخر...!!؟!!

لا الأديب، ولا الناقد، ولا الموظف الحكومي، بل المفكر الذي سيترك بصمته على أجيال كاملة...

في السجن كتب أجزاء واسعة من «في ظلال القرآن»، الذي تحول إلى أحد أشهر التفاسير الفكرية المعاصرة، وكتب لاحقًا:

«معالم في الطريق»..

الذي أصبح أكثر كتبه إثارة للجدل وتأثيرًا، إلى جانب «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته»، و«هذا الدين»، و«المستقبل لهذا الدين»، و«السلام العالمي والإسلام».

وفي عام 1965 أعلنت السلطات المصرية اكتشاف تنظيم جديد مرتبط بالإخوان المسلمين، واتهمت عددًا من أعضائه بالتخطيط لإسقاط النظام والقيام بأعمال تستهدف الدولة.

كان سيد قطب في قلب القضية....!!؟!!

ورأت السلطة أنه العقل الفكري المحرك للتنظيم.

بينما رأى أنصاره أن القضية كانت سياسية في جوهرها، وأن الرجل حوكم بسبب أفكاره أكثر مما حوكم بسبب أفعال مادية مباشرة...

وبين الروايتين صدر الحكم.

وفي عام 1966 صعد سيد قطب إلى المشنقة....!!؟؟!!

وهنا وقعت المفارقة التي تتكرر كثيرًا في العالم العربي.

فالرجل الذي خسر معركة الأدب، وخسر معركة السلطة، وخسر معركة الثورة، وخسر معركة البقاء حرًا، ربح معركة الخلود.

لم يصبح وزيرًا، ولم يصبح مرشدًا عامًا، ولم يصبح زعيم دولة، ولم يحصل على جائزة نوبل، لكنه أصبح اسمًا يتردد بعد ستة عقود من إعدامه أكثر من أسماء كثير من الرؤساء والوزراء والكتاب الذين عاصروه....

لقد دخل سيد قطب التاريخ باحثًا عن الاعتراف الأدبي، وخرج منه رمزًا سياسيًا وفكريًا تتنازع تفسيره الحكومات والحركات الإسلامية والمثقفون والباحثون....!!؟؟!!

ولهذا فإن قصة سيد قطب ليست قصة رجل فقط، بل قصة مثقف لم يجد مكانه في الأدب فذهب إلى السياسة، ولم يجد مكانه في السياسة فذهب إلى العقيدة، ولم يجد مكانه في الدولة فدخل السجن، ولم يخرج من السجن إلا إلى المشنقة، لكن المشنقة التي أرادها خصومه نهاية للرجل تحولت إلى بداية أسطورة ما زالت حتى اليوم ترفض أن تغادر الذاكرة العربية....