اتفاق تفخيخ لبنان!!
نشر بتاريخ: 2026/06/29 (آخر تحديث: 2026/06/29 الساعة: 18:36)

صفحات الحرب في المنطقة، لا تزال وستظل مفتوحة إلى وقت غير محدود، طالما أن الأمر يتعلق باستراتيجيات كبرى متصادمة، وليست متعارضة فقط حيث يمكن احتواؤها. بعد أسبوع واحد فقط على بدء مفاوضات سويسرا التي أشاد بإيجابيتها الرئيس ترامب، وقع خرقان لمذكرة التفاهم، الأول حين قامت القوات الأميركية بقصف لمدة ساعة ونصف الساعة لمنشآت عسكرية إيرانية في بعض موانئها جنوب ايران وعلى مسافة ملاصقة لمضيق هرمز. كان ذلك بذريعة استهداف إيراني لناقلة تحمل علم سنغافورة، خالفت التعليمات الإيرانية بشأن مسار الحركة، الذي أقرت مذكرة التفاهم، حق ايران في تنسيق مسارات الدخول والخروج خلال هدنة الستين يوماً.

الخرق الثاني، جاء حين أشرفت الخارجية الأميركية على توقيع اتفاق بين لبنان وإسرائيل، يتناقض بشكله ومحتوياته مع البند الأول لمذكرة التفاهم، التي تشكل احد اهم المفاصل التي اشترطتها ايران ووافقت عليها الولايات المتحدة، وتنص على وقف إطلاق النار على لبنان، والانسحاب الكامل للجيش الإسرائيلي وضمان سيادة لبنان على أرضه.

يتفاخر نتنياهو بأن ما تم التوقيع عليه في واشنطن يشكل إنجازاً عظيماً، يضمن للجيش الإسرائيلي البقاء فيما تسميه إسرائيل المنطقة الأمنية، ولأنه أيضاً يشكل هزيمة لإيران التي يقول، إنها حاولت أن تفرض على إسرائيل انسحاباً كاملاً من لبنان. يحق لنتنياهو أن يتفاخر، فلقد أصر منذ البداية على مبدأ الفصل بين أطراف المحور، وعزل المسار اللبناني عن المسار الإيراني الأميركي، ومنذ البداية كان يقول، انه لن ينسحب من جنوب لبنان أو سورية أو غزة.

غني عن البيان، أن هذا الإنجاز الذي يتحدث عنه نتنياهو قد لا يكون مستقراً ودائماً، حتى لو أنه حظي بشرعية توقيع رسمي من الدولة اللبنانية، التي أدخلت نفسها في أتون صراعات داخلية قد تطيح بالاتفاق والرئيس والحكومة.

الاتفاق مخزٍ ومذل، إذ يضع السيادة والكرامة والأرض والأمن بيد إسرائيل مقابل اشتراطات غير قابلة للتحقق، ووعود أميركية وإسرائيلية أثبتت وقائع التاريخ، انهما ليسا أهل التزام واحترام لما تتعهد به الدولتان.

اكثر من أربعين عاماً مضت حين تم التوقيع على ما يعرف باتفاق السابع عشر من أيار ١٩٨٣، ولكن النتيجة أن لا الدولة اللبنانية آنذاك، استطاعت أن تفرض الاتفاق على اللبنانيين ولا التزمت إسرائيل بذلك الاتفاق.

كان على إسرائيل أن تسحب قواتها من لبنان على ثلاث مراحل، وفق ذلك الاتفاق، الأولى حتى صيدا والثانية حتى صور والثالثة حتى الخط الأزرق، لكن الاحتلال استمر حتى العام ٢٠٠٠ حين اضطر رئيس حكومة إسرائيل آنذاك ايهود باراك، لإعلان الانسحاب من جنوب لبنان.

وحينذاك لم يكن «حزب الله» والمقاومة اللبنانية، يمتلكان من القدرات والخبرات، ما يملكانه، اليوم.

في الاتفاق الذي تم الإعلان عنه مؤخراً، تربط إسرائيل وعودها بالانسحاب، بشرط نزع سلاح «حزب الله» ولا يحدد جدولاً زمنياً لذلك، والسؤال هو ماذا لدى الدولة اللبنانية من أوراق قوة، وإمكانيات حتى تنجح في تلبية الشرط الإسرائيلي، الذي لا سبيل له، سوى حرب أهلية لبنانية.

هل يتذكر القائمون على الشرعية في الدولة اللبنانية اتفاقية أوسلو، وما آلت إليه، بل هل يتذكر هؤلاء أي اتفاق لا يلبي كل الشروط الإسرائيلية، وقوبل بالالتزام من قبل أي حكومة إسرائيلية؟.

فعدا ورقة الشرعية، فإن الجيش اللبناني لا يمكن أن يشكل أداة لتلبية الشرط الإسرائيلي.

الجيش اللبناني أولاً، لا يملك من القدرات ما يملكه «حزب الله» وقوى المقاومة اللبنانية، حتى لو تلقى تدريبات ومعدات عسكرية من الولايات المتحدة، هذا بالإضافة إلى أن الجيش معرض للانقسام والانهيار في حال، نفذ الشرط الإسرائيلي الأميركي. وفي الاتفاق ثمة ما يشير إلى إمكانية إقدام لبنان الرسمي على استدعاء أطراف عربية للمساعدة، والأرجح أن هذه الإمكانية تذهب نحو المراهنة على دور سوري.

واضح أن واشنطن تتبنى هذا الخيار، وتعتقد أنها تملك من النفوذ والتأثير على النظام السوري القائم، بحيث يقبل القيام بهذا الدور وان الدوافع تتعلق بالثأر من «حزب الله»، وربما أيضاً يستند إلى وعود أميركية، بدعم استقرار النظام، وتسريع تعافيه. إن حصل هذا، فإنه يدفع النظام السوري في أتون أزمة داخلية كبرى، قد تهدد استقراره الداخلي، وتغري إسرائيل بتصعيد عدوانها وتدخلاتها في سورية، لتحقيق هدف تقسيمها واحتلال المزيد من أراضيها.

ولكن الولايات المتحدة ليست الطرف الوحيد الذي يملك نفوذاً على النظام السوري، إذ يبدو أن تركيا هي من يملك النفوذ الأقوى ما يرجح أن سورية قد تمتنع عن قبول الانجرار خلف هذا الخيار خاصة أن الرئيس احمد الشرع، كان قد عبر عن عدم رغبة بلاده الذهاب نحو هذا الاحتمال.

اعتقد أن هذا الاتفاق، سيقابل من المقاومة اللبنانية بمواصلة استهداف القوات الإسرائيلية في المناطق التي تتواجد فيها، وتجنب المناطق التي قيل إن الجيش الإسرائيلي سينسحب منها لصالح تسليم الأمن فيها للجيش اللبناني كتجربة أولى وستكون الأخيرة.

المنطقة بأكملها لا تزال مفتوحة على الصراعات، فهل يمكن أن ينفرد لبنان، بحال مختلف؟ لننتظر ما تحمله الأيام المقبلة.