وقت التنمّر الإسرائيلي ينفد
نشر بتاريخ: 2026/07/03 (آخر تحديث: 2026/07/03 الساعة: 19:38)

بالنظر إلى السياق الذي نشأت فيه إسرائيل، فإن مستقبلها يعتمد إلى درجة كبيرة على مآلات ذلك السياق، وهو سياق الصراع الكوني، على مناطق النفوذ الإقليمية، فلم تكن إسرائيل دولة محتلة، كما كان حال دول ما سمّي العالم الثالث، التي كانت محتلة من قبل الاستعمار القديم، وتحررت في ظل الحرب الباردة، ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لأن حركات التحرر وجدت في الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية، في خمسينيات القرن الماضي داعماً سياسياً وعسكرياً، مكّنها من التحرر والاستقلال عن الاستعمار الذي كان في معظمه بريطانياً وفرنسياً، بينما إسرائيل ظهرت على العكس من ذلك تماماً، في نفس الفترة، لكن بالاعتماد على الغرب الذي كان ينحسر عن مستعمراته التي كانت منتشرة في قارتَي أفريقيا وآسيا، لذلك فإنه مقابل ارتباط معظم الدول التي استقلت في ذلك الوقت بالمعسكر الشرقي، ارتبطت إسرائيل بالغرب، وظلت تعتمد عليه.

ومنذ البداية وجدت إسرائيل نفسها، على عكس كل الدول التي نشأت في ذلك الوقت، في حالة حرب مع المحيط، ما جعلها أن تكون أشبه بالثكنة العسكرية منها إلى الدولة المدنية، وإذا كانت الدول عبارة عن مجتمعات مدنية، لها قوات شرطة تحافظ على القانون العام داخلياً، وجيوش تحمي حدودها الشرقية وتحفظ أمن مواطنيها، فإن إسرائيل نشأت كمجتمع عسكري أنشأ حديقة مدنية خلفية، رغم كل هذا الطابع الإشكالي، فإن إسرائيل قامت كدولة معترف بها من المجتمع الدولي، ممثلاً بالأمم المتحدة، وإن كان محيطها العربي/ الإسلامي لم يعترف بها، لكن اعتراف المجتمع الدولي بشقَّيه، أي المعسكرَين الغربي والشرقي، كان مشروطاً، أو مرتبطاً بقيام الدولة الفلسطينية، بناء على قرار التقسيم، وحين أعلن ديفيد بن غوريون عن قيام «دولة إسرائيل» عشية انتهاء الانتداب البريطاني عن فلسطين، كان يستند لقرار التقسيم، بينما حدود تلك الدولة لم تتطابق مع حدود التقسيم، لأن حرب العام 1948، فرضت واقعاً مختلفاً على الأرض، ولم تتوقف باعتراف أو باتفاق سلام يثبت الحدود، بل باتفاقيات هدنة.

المهم أن بقاء إسرائيل ظل منوطاً بارتباطها بالغرب، بريطانيا وفرنسا أولاً ثم أميركيا تالياً، ولم يقتصر ذلك على الدعم السياسي، ولا المالي، ولكن أيضاً وبالأساس على الدعم العسكري، الذي تجاوز حدود الحفاظ على وجود إسرائيل، إلى الدفاع عن سياساتها الخارجية، خاصة تجاه المحيط العربي، ورغم أن الغرب ظل حريصاً بعد «خروجه» الاستعماري من المنطقة على تفوق إسرائيل العسكري، أي أنه أبقاها قادرة على الدفاع عن نفسها، وبل وقادرة على تحقيق الانتصار العسكري في حالة اندلاع الحرب بينها وبين جيرانها مجتمعين، إلا أنه في كل لحظة تتعرض فيها إسرائيل إلى احتمال أن تمنى بالهزيمة العسكرية كان الغرب يسارع لنجدتها عسكرياً، وقد اتضح هذا في حرب العام 1973، حين حقق الجيش المصري اختراقه العسكري، باقتحام خط بارليف، فأقامت أميركا جسراً عسكرياً جوياً، فوراً، أحدث «ثغرة الدفرسوار» التي أحدثت تحولاً في الحرب أنقذ إسرائيل من هزيمة عسكرية، لم تكن تهدد وجودها على أي حال، بل كانت في أحسن أحوالها يمكن أن تفرض عليها الانسحاب من الأرض المصرية المحتلة في حينها، أي سيناء.

وإسرائيل غير قابلة لتلقي الهزيمة الوجودية، لأنها ببساطة تمتلك السلاح النووي، بعدد غير معروف، لكنه مؤكد تماماً من القنابل النووية، وهي اليوم متجاوزة حدود التقسيم، بل وبعد أن كانت تشن بمعدل كل عشر سنين حرباً، تحتل فيها أرضاً عربية إضافية، فإنها ومنذ أكثر من ثلاثة أرباع عمرها الزمني وهي تحتل ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية، وأرض الجولان السوري، وأرضاً من جنوب لبنان، ولا تتوقف، فهي تتوق دائماً لشن حروب أخرى، تحتل فيها أرضاً إضافية، وبنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية يبرر علناً الحرب التي يشنها منذ ثلاث سنوات على عدة جبهات في الشرق الأوسط، بكونه احتل فيها مناطق لن تنسحب منها قواته العسكرية، هذا رغم أن الادعاء كان في بداية الأمر، هو إقامة مناطق أمنية عازلة، لكن بعد مضي الوقت، وبعد فرض الأمر الواقع الجديد، سرعان ما تجري الدعوة لاستيطان تلك الأرض وضمها لإسرائيل.

هذا الحال ينطبق اليوم تماماً على أرض فلسطين، سواء تلك التي نص عليها قرار التقسيم أو تلك التي أفضت بها حرب العام 1948، ومن ثم احتلت عام 1967. الغريب في الأمر، أن الغرب ظل منحازاً لإسرائيل، ليس ارتباطاً بالدفاع عن «حقها في الوجود»، وترجمة هذا حين تلتزم بسياسة الدفاع وليس الهجوم، لكنه ظل يدافع عن احتلالها لأرض فلسطين والجولان، عملياً، رغم الرفض النظري بالتصريحات، لكن مع مرور الوقت، ومع تراكم المتغيرات الدولية، بدأت تظهر فوارق واختلافات بين دول الغرب، خاصة أن العالم لم يعد محكوماً بنظام الحرب الباردة الذي كان عليه بعد الحرب العالمية الثانية، بينما إسرائيل، وربما بعد طول وقت من «العزلة» عن المحيط، والارتباط السياسي والعسكري والمالي بالغرب، لكن دون الارتباط المجتمعي، كانت تتحول داخلياً باتجاه اليمين الأيديولوجي والديني، إلى أن صار التطرف حاكماً بشكل رسمي، بينما وجهة العالم تتسارع على طريق آخر.

وقد بلغ الأمر مداه، خلال الأعوام الأخيرة، وبعد أن احتاجت إسرائيل إلى ثلاثة عقود لتحدث التحول الداخلي، بالانتقال من «الدولة الديمقراطية»، أو الدولة الليبرالية بمعنى أدق، والمتناسبة مع عقلية الغرب الأوروبي على نحو خاص، إلى الدولة اليمينية المتطرفة التي تحلم بقيام الإمبراطورية في الشرق الأوسط، كان النظام العالمي قد سار باتجاه آخر، لم تعد فيه الولايات المتحدة، هي السيد المطاع تماماً، كما كان حالها عشية تدشين نظامها مطلع تسعينيات القرن الماضي، بانهيار جدار برلين، وبالحديث عن انهيار جدار برلين، بأن انهياره ذاك كان قد وضع حداً أو أنه أنهى واقعاً سياسياً نشأ في ظل الحرب الباردة، حيث أغاد توحيد ألمانيا، وفكك الاتحاد السوفياتي، والاتحاد اليوغوسلافي، وأعاد انفصال سلوفاكيا وتشيكيا عن بعضهما، وكان هذا في صالح الغرب، لأنه انتصر بانتهاء الحرب الباردة، لكنه لم يوحد كوريا، ولم يعد تايوان إلى الصين، ولم يقم دولة فلسطين، لأن هذا كان يعد لصالح الجانب الآخر، رغم أنه عادل بالمعنى العام أو المطلق للعدالة والمساواة.

وكانت آخر محطة من محطات إعادة ترتيب عالم ما بعد الحرب الباردة هي قيام دولة فلسطين، ورغم انفتاح الأفق لهذا في اتفاق أوسلو، الذي وقّعته إسرائيل الدولة الليبرالية، إلا أن «إسرائيل» التالية أجهضته لاحقاً، وكان نتنياهو بالتحديد هو العنوان، منذ عام 1996 وحتى الآن، ولم يطل الوقت حتى عادت إسرائيل إلى «حالتها» الأولى، أي إلى ارتداء الزي العسكري وشن الحرب ليس على فلسطين فحسب، بل وعلى كل الشرق الأوسط بشكل مباشر على العديد من دوله، وبشكل عام من خلال التنمر ومن خلال إعلانها صراحة عن إعادة ترتيب الشرق الأوسط وفق إرادتها.

لكن الطريق إلى هذا، ورغم أنه لم يصل إلى محطته الأخيرة بعد، إلا أنه أظهر ليس مدى التنمر العسكري الإسرائيلي على الجميع، وعدم التردد في الإغارة وتوجيه الضربات العسكرية لأي كان، بما في ذلك قطر، والعراق وسورية، ورغم تبجح نتنياهو بتحقيقه الإنجازات بالسيطرة على أراض إضافية، إلا أن إسرائيل دفعت ثمناً باهظاً، أو أنها بالنظر لما صارت عليه مكانتها الدولية، فإنها تغامر كثيراً؛ لأن من يدفع كل هذا الثمن على الصعيد الدولي يتطلع إلى صيد ثمين أقله الظفر بغزة والضفة، أي عموم فلسطين، وجنوب لبنان، إن لم يكن لبنان كله، وكذلك جنوب سورية، أي نصف دولة إسرائيل الكبرى، لكن لأن إسرائيل عاشت حياتها كلها متأثرة بالصراع الكوني، فإن مستقبلها مرهون بهذا الصراع، الصراع الكوني وليس الإقليمي فقط، ذلك أن ارتباط مصيرها بصراعها الإقليمي واضح تماماً منذ أن شنت الحرب على إيران، وقالت: إن المرحلة الأولى من الحرب ضد التحالف الشيعي الضعيف، ثم يأتي الدور على التحالف السني.

أما بشائر الصراع الكوني، فقد ظهرت من خلال دخول أميركا إلى جانب إسرائيل في الحرب على إيران، وهذا أبعد مما كان يحلم به التطرف اليميني الإسرائيلي، لكن عدم هزيمة إيران، والتورط الأميركي، الذي يظهر في واحد من أشكاله بتأثر المخزون الإستراتيجي من الصواريخ، والذي يعني ضعفاً أميركيا في مواجهة محتملة مع الصين حول تايوان، يؤكد أن ما تبقى لحالة التنمر والعربدة الإسرائيلية هو القليل من الوقت حتى محطة انتخابات الكنيست أولاً، وإلى أن تنتهي ولاية ترامب بعد عامين.