لنستعد لمرحلة جديدة من الدراما السياسية
نشر بتاريخ: 2026/07/13 (آخر تحديث: 2026/07/13 الساعة: 12:57)

إذا كان صحيحاً ما قيل من أن الرئيس الأميركي ترامب قد كتب «وصيته» فعلاً، فإن علينا أن نحضر أنفسنا لمرحلة جديدة من الدراما السياسية في كامل الإقليم. وأغلب الظن، إذا ما صحت مسألة الوصية، ويبدو أنها كذلك، فإن علينا أن نكون جازمين وقاطعين أن لعبة كبيرة ستلعب في المنطقة قبل الانتخابات الإسرائيلية، وقبل الانتخابات الأميركية على حد سواء.

وفي ظني، فإن رواج مسألة الاغتيال والوصية ليست سوى المقدمة الأولى لهذه الدراما السياسية في الإقليم. الإيحاءات واضحة، وليس فيها أي درجة من الغموض. لكن دعونا أولاً نحاول تفكيك شيفرة هذه الدراما السياسية التي تلوح بالأفق. ودعونا نحاول أن نفهم لماذا وصلت الأمور إلى هنا، أو لنقل: لماذا يمكن أن تصل الأمور إلى هنا؟

قبل أي شيء، فإن الأعمار بيد الله، ولا أظن أن أحداً عاقلاً في هذا الكون لا يدرك مخاطر مثل هذا الاغتيال، الذي ما زال في منزلة المزعوم على السلم بالولايات المتحدة، وفي دول أخرى كثيرة في هذا العالم، وفي دول الإقليم على وجه الخصوص والتحديد.

لكن لماذا، وبصورة مفاجئة، قفزت على سطح الأحداث، وفي هذا التوقيت بالذات، مسألة الاغتيال والوصية؟ القصة طويلة ومعقدة من حيث السياق السياسي، إلا أنها ليست طويلة ولا معقدة، بل موجزة ومختصرة، من حيث الدوافع المباشرة.

في السياق السياسي، لم يعد خافياً على أحد أن الولايات المتحدة أخفقت في حربها على إيران، وما كان يمكن أبداً أن تقبل بالنقاط العشر إياها في الهدنة الأولى التي أعقبت المراحل الأولى من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ثم أن تقبل التوقيع على مذكرة التفاهم الأخيرة، لولا هذا الإخفاق.

وقعت الولايات المتحدة، وفي ذهنها مسبقاً، التملص والتحايل والالتفاف على مسألتين أساسيتين: مضيق هرمز، والحرب الإسرائيلية على لبنان.

في مسألة المضيق، اخترعت أميركا ما سمي الممر العماني، والذي تبين بأنه ليس سوى ابتكار أميركي لتجريد إيران من ورقة مضيق هرمز، وهي الورقة الأهم والأقوى في يدها، وهي من أهم أسباب التوقيع الأميركي على مذكرة التفاهم.

لم تقبل إيران بهذه الخدعة وهذا التحايل، وعطلت الممر العماني دون أي تردد. ومن هنا انفجرت الجولة الجديدة من التقاصف بين الجانبين، ولا يبدو في الأفق حتى الآن من حل وسط، ما ينذر باستمرار هذه الجولة وامتدادها، وربما توسعها واشتدادها، دون أن تصل، كما أرى ويرى غيري، الذهاب إلى سقوط مذكرة التفاهم أو العودة إلى الحرب الشاملة والمفتوحة.

وفي الجانب اللبناني، استطاع نتنياهو، بشق الأنفس، انتزاع موافقة أميركية على حرية الحركة والتحرك الإسرائيلي العسكري بوتيرة منخفضة وبقيود محددة، وإعطاء فرصة لاتفاق الإطار الموقع مع الحكومة اللبنانية، في خطوة وصفت بأنها محاولة لتجريد إيران من هذه الورقة، عبر فصلها عن مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية.

حدود الدور الإسرائيلي كله، طالما أن الرئيس ترامب ليس مستعداً للحرب بمعناها الشامل والمفتوح، وليس بوارد أن تدخل دولة الاحتلال على خط الجولة الحالية من التقاصف الأميركي الإيراني، بقرار أميركي معلن وصريح. وطالما أن حدود الدور الإسرائيلي في لبنان بات مرهوناً بالتكتيك الأميركي في لبنان، حدود هذا الدور باتت ضيقة على نتنياهو.

نتنياهو يشد الرحال لزيارة البيت الأبيض في واحدة من أسوأ زياراته إلى الولايات المتحدة. فهو ذاهب، وهو مصاب بالهلع من استطلاعات الرأي الإسرائيلي، وباتت هزيمته في الانتخابات مرجحة، كما يذهب هذه المرة كمتهم رئيس في تخريب العلاقة الأميركية الإسرائيلية، وانطباعات عالية لدى الرأي العام الأميركي بأنه قد ورط الرئيس ترامب في الحربين الأولى والثانية على إيران، وفي تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية فيها.

وهو متهم، إضافة إلى ذلك كله، بخسارة الحزب الديمقراطي، وبأكثر من نصف الحزب الجمهوري، وبات متهماً من أنه حجم دور الإيباك، وخسر معظم مراكز القوة والتأثير التي كان يحظى بها في الكونغرس أو يكاد.

نتنياهو لم يكن، حتى في أسوأ كوابيسه، يتصور أن يأتي اليوم الذي يذهب إلى الولايات المتحدة مجرداً من كل الأوراق التي «تفشخر» بها، وبات مقيداً من مواصلة الحرب على غزة، ومن افتعال حرب على جنوب سورية، بعد التفاهمات الأخيرة بين تركيا وأميركا، وبعد أن تبين أن ترامب يتمسك بصورة خاصة بالدور التركي، وبالعلاقة الخاصة مع الرئيس التركي أردوغان.

وحتى في الضفة، هناك قيود على نتنياهو شكلية حتى الآن من الجانب الأميركي، ولكنها ليست شكلية، أو لم تعد شكلية، من الجانب العربي والإسلامي. وهي جدية عندما يتعلق الأمر بمواقف الاتحاد الأوروبي، فيما إذا قرر نتنياهو اللجوء إلى جبهة الضفة كملاذ أخير ووحيد للخروج من أزماته الخانقة.

نتنياهو لن يعدم الوسيلة للترويج لانتصارات يعرف أنها كاذبة وجزئية، وأن كل الحصاد الذي خرج به هو أنصاف معارك وحروب منقوصة، لم تحسم ملفاً واحداً يعتد به فعلياً.

فماذا تبقى في جعبة نتنياهو في ضوء ذلك كله؟ بقي في جعبة نتنياهو المغامرة بافتعال حرب جديدة، تبدأ من لبنان، ودون الذهاب إلى إيران مباشرة. كأن يقوم، تحت ذريعة أو أخرى، بقصف الضاحية ببيروت ليضمن الرد الإيراني على الشمال. فيعود بدوره إلى قصف إيران، فترد إيران وتقصف الشمال والوسط والجنوب.

وبهذا تشتعل الحرب من جديد، مراهناً على عدم إبقاء دولة الاحتلال وحيدة في مواجهة إيران، وبذلك تعود الحرب من جديد، وتسقط مذكرة التفاهم، ويعود نتنياهو إلى المسرح السياسي من أوسع أبوابه. وحينها، سيجد لنفسه المبررات الكافية للبقاء والمنافسة.

فإذا تحققت من خلال هذه الحرب الجديدة مكاسب جدية، فسيذهب إلى الانتخابات الإسرائيلية، ورزقه على الله. وإلا، ليس أمامه سوى أن يلغي الانتخابات، ويدمر الوضع الداخلي، ويدخل دولة الاحتلال في دوامة سياسية واجتماعية من أخطر ما يمكن أن يحدث لها وفيها. وقد شرح إيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، كل ذلك بإسهاب شديد.

فمن ناحية السياق السياسي الذي أشرنا إليه في بداية المقال، فإن وصية ترامب تبدو مقحمة. والحديث عن الاغتيال المزعوم ليس له قيمة حقيقية.

أما من حيث الدوافع المباشرة، فالقصة جدية للغاية. واضح أن القيادة الإسرائيلية ما زالت تحاول التلاعب بالرئيس ترامب. وواضح أنها أدخلت إلى عقله أن هناك محاولة لاغتياله. وواضح أنه تحدث عن ألف صاروخ جاهزة لتدمير إيران في حال تم الاغتيال، كما يقول هو وبعظمة لسانه.

إيران طبعاً ليست بوارد هذا كله، وخصوصاً في ظل هذه الملابسات.

أليس علينا وعلى الإقليم وعلى العالم أن يحذر، على الأقل، من أن تؤدي المصالح السياسية وغير السياسية إلى كارثة جديدة، سميناها الدراما السياسية، للتخفيف من هول ما تنطوي عليه؟.