تجار الحرب والمجاعة ... مـن يـحـاسـب؟
نشر بتاريخ: 2026/08/14 (آخر تحديث: 2026/08/14 الساعة: 17:58)

يلفت الباحث الاقتصادي، الدكتور سمير أبو مدللة، النظر لواحدة من أبرز ما أنتجتها الحرب من مآسٍ اقتصادية لم تكن تقل فداحة عن كوارث تراكمت في غزة، لكن في حضرة الدم بدت كل الخسائر متواضعة. أما في لحظة هدوء ما بعد الموت عادة تخرج الشعوب تتلفت يميناً ويساراً تفتش عن بقاياها ومن وقف معها ومن خذلها ومن ساندها ومن امتص دمها لتبدأ بالمحاسبة، هذا يحدث للشعوب الحية دوماً.

الحرب على غزة لا تشبه كل الحروب. هي الحرب التي لا فرار منها ولا مخرج طوارئ، حكمت على الذين داخل هذه البقعة أن ينتظروا الموت بلا أمل بالنجاة. ولأنها كذلك ولأن عدوها يحاصرها من الجهات الأربع فقد استخدم التجويع كسلاح في مواجهة الغزيين في أبشع أدوات الحروب وأكثرها انحطاطاً. والمأساة أن العالم الذي يهرع لمعالجة تداعيات أي كارثة طبيعية لم يجرؤ على التدخل، تاركاً الغزيين يموتون جوعاً لأن الأمر يتعلق بإسرائيل.

لكن طعنة بروتس كانت الأشد حدة، هكذا أراد أن يقول الدكتور سمير، لافتاً النظر إلى تجار الحروب الذي أثروا من المجاعة. فلم تقتل يوليوس قيصر كل طعنات أعضاء مجلس الشيوخ، لكن طعنة صديقه بروتس كانت كفيلة بإماتته. هكذا عمل بعض التجار القدامى وكثير التجار الجدد الذين وجدوا في الإبادة فرصة للتكسب. فيسأل المهندس هاني أبو عكر: ألا يمكن للسلطة إغلاق حساباتهم البنكية؟ والسؤال المرافق: ألا يمكن منعهم من السفر لحين محاكمتهم حين تسمح الظروف؟

طعنة هؤلاء كانت الأشد على شعبنا، ليس تخفيفاً من جريمة إسرائيل بالطبع كما تتهم دوماً حركة «حماس» ناقديها حين تسارع بالقول إنهم يبرؤون إسرائيل. بل هنا يتعلق الأمر بالإضاءة على نقص المناعة في الجسد الفلسطيني ومن فئة كانت تتكسب من دم الشعب ووجدت في جوعه فرصة للثراء لتصل حساباتها البنكية أرقاماً تجاوزت الملايين. كتب ذو الفقار سويرجو على صفحته أنه حضر نقاشاً بين اثنين يرتديان ثياباً رثة وتدعو حالتهم للشفقة يختلفان على مليون، فأراد التدخل معتقداً أنهم يختلفون على مئة شيكل التي لا يزال بعض سكان الهوامش يسمونها بالتسمية القديمة «مليون» قبل أن تقوم إسرائيل بإزالة ثلاثة أصفار العام 1985، فإذ بأحدهم يقول له: نحن نختلف على مليون دولار...! هكذا شوهت الحرب حتى الطبقات التي تعرضت لضربة لن ينجو منها المجتمع الغزي الذي فقد هويته وتراتبيته. فلرجال الأعمال وللأرستقراطية المتوارثة ثقافتها وتلك واحدة من الظواهر التي سيلقي علماء الاجتماع الضوء عليها لاحقاً. ليس فقط فقدان وسحق الطبقة الوسطى بل تشوه الطبقة العليا ضرب الأساس الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية.

في عهد «حماس» تعرضت غزة لقدر من التشوه، خصوصاً المدينة، حين بدأ ينمو اقتصاد الأنفاق الذي أنتج مصيبتين كبيرتين، الأولى هو انتقال ثقل رأس المال من مدينة غزة كعاصمة للقطاع ومركز ثقله الاقتصادي نحو المنطقة الحدودية برفح، وهذا له آثاره الاقتصادية والثقافية المدمرة، والثانية نشوء طبقة رأسمالية جديدة هي أقرب للأمية ومع توقف الصناعة والتجارة لدى التجار وأرباب العمل في المدينة، أصبحت تلك الفئة الجاهلة هي من يدير رأس المال، بينما كانت البرجوازية التقليدية المتوارثة تنتج ثقافتها الهادئة وتعيد توريثها، وتشكل في لحظة من اللحظات رديفاً للثقافة العامة وداعماً في بعض جوانبها. فأي ثقافة كان ينتجها المليونير الأمّي الذي بدأ يملك أصولاً في غزة المدينة ويحل محل أرستقراطية أخذت تتلاشى؟

في هذه الحرب برزت الظاهرة الأشد خطورة التي تكسبت على الوجع والدم مع غياب تام للنظام السياسي ممثلاً بحركة «حماس»، لكن هناك اتهامات بتواطؤ الحركة معهم سواء تجار ربا الأموال أو تجار الأغذية حين كانت تلك الحركة تحتاج لتأمين مصروفاتها ورواتبها. وتلك مصيبة لا تقل فداحة إذا ما اكتشف أيضاً أن لهؤلاء التجار شراكات في الجزء الآخر من الوطن، وتلك تحتاج إلى تحقيقات صحافية وقانونية، فلن يتم التسامح مع هذا الأمر سواء لتبرئة أو لإدانة تلك الأطراف. فليس معقولاً أن «حماس» كانت عاجزة عن وضع حد لظاهرة ترقى لدرجة الخيانة العظمى. وقد أطلعني صحافي كبير في إحدى الصحف العالمية عن أسماء لتجار كانوا يدفعون لحركة «حماس» وبالأرقام، وكذلك من غير المقنع أن السلطة التي تتحكم بحساباتهم البنكية وتعرفهم جميعاً ولديها جهاز أمني لا يزال فاعلاً في غزة حتى اللحظة، لم تتخذ أي إجراء سواء بتجميد الحسابات أو بطلبهم للعدالة. هناك في الأمر ما يدعو لتساؤلات فادحة سنظل نبحث عن إجابتها لمن قام بالتنكيل بالأهل بغزة والرقص على جراحها، مستغلاً أبشع ما صنعه الاحتلال ليستكمل قتل شعبنا.

أين صحافتنا الوطنية من هذا؟ فالجريمة لم يتم تدبيرها بليل بقدر ما كانت شديدة الوقاحة في جرأتها مكاتب صرافة تعمل على الملأ، وتجار تمتلئ مخازنهم بالبضائع أثناء المجاعة أمام الناس. فلماذا يسكت الجميع سلطة و»حماس» وصحافة ومن غطى كل هذا؟

نقلاً عن صحيفة الأيام