قلمي
نشر بتاريخ: 2026/08/28 (آخر تحديث: 2026/08/29 الساعة: 00:05)

خاصمني القلم لأيام...

لم يخاصمني عتاباً... بل تعباً.

رمى سلاحه على الطاولة وقال بصوتٍ مبحوح:

"ما عادت للحروف قيمةٌ فوق الركام."

سكتُّ.

أنا التي تعلمتُ أن أنحني للريح حتى لا أنكسر.

ثم اقتربتُ منه وقلتُ بهدوءٍ يليق بالجرح:

"يا رفيقي... الكلمة لا توقف القذيفة.

أعلم.

ولكنها تمنع الجريمة من أن تُدفن تحت التراب.

هي الاسمُ الذي يرفض أن يتحول إلى رقم.

وهي الشاهدُ الوحيد الذي لا يموت حتى لو قتلوه."

ومن بين الزحام... يقف الفلسطيني.

لا. ليس واقفاً.

هو معلّق... معلقٌ بين سماءٍ تكاد تشبه الأمل، وأرضٍ صارت كلها وجع.

كغريقٍ ابتلع البحر كل شيء منه... إلا رأسه.

ما زال يرفعه عناداً.

رصيده؟ عجز.

وعنوانه؟ أملٌ يوجع.

وفي جيب قلبه، مطويةً بقدر الحزن، ورقةٌ صغيرة مكتوبٌ عليها بخطٍ مرتجف:

"صبرٌ جميل... والله المستعان."

وفي قاع البئر... يلمع خيطٌ رفيع.

اسمه: "الانتخابات".

أعواماً ونحن ننتظر أن يُعاد إلينا صوتنا.

أمٌ تريد أن تختار مستقبل أطفالها من خلال الصندوق.

وشابٌ يريد أن يقف ويقول للعالم: "أنا هنا... موجود."

فيرمي الغريق خشبةً في البحر.

لا لأنه يثق أنها ستنجيه.

بل لأنه لم يعد يملك إلا الإيمان... الإيمان وحده.

حينها وضعتُ يدي على كتف القلم وهمست:

"اكتب."

اكتب للذين اختلفوا: يكفي.

الدمُ واحد. فليكن القرارُ واحداً.

أعطوا الناس حقهم... قبل أن نضيع جميعاً ولا يبقى أحد.

واكتب للعالم:

لسنا نستجدي.

نحن نُذكّركم بدينٍ في أعناقكم.

قصفتم... فصبرنا.

وجوعتم... فاحتسبنا.

وقتلتم... فارتقينا دون أن نموت.

واكتب للذين يعملون بصمت:

شكراً

لأنكم تحملون هذا الشعب على أكتافكم، في اليوم الذي يسقط فيه الجميع.

التقط القلم أنفاسه أخيراً وقال: "سأكتب".

فابتسمتُ وقلت: "أرأيت؟ لم تتبعثر الحروف."

فردّ عليّ: "بل تحررت. صارت شهادةً... لا يمحوها ليل."

لأن الصمت مقبرة.

ونحن نغردُ على هذه الأرض ما يستحق الحياة.