نحو عقد وطني فلسطيني جديد: تفكيك ثنائية حزب الدولة ودولة الحزب
نشر بتاريخ: 2026/08/29 (آخر تحديث: 2026/08/29 الساعة: 22:36)

لا تقاس التحولات التاريخية بحجم الدمار الذي تخلفه الحروب فحسب، وانما بقدرتها على اعادة تشكيل الوعي السياسي للشعوب، وما يمر به الشعب الفلسطيني اليوم بعد حرب الابادة على قطاع غزة وما تشهده الضفة الغربية والقدس من تصاعد غير مسبوق في مشاريع الضم والاستيطان، لا يمثل مجرد ازمة سياسية او انسانية، بل لحظة تأسيسية تفرض اعادة النظر في طبيعة النظام السياسي الفلسطيني واليات انتاج الشرعية وشكل العلاقة بين الدولة والقوى السياسيةـ فالاخطار التي تواجه الفلسطينيين لم تعد خارجية فقط، بل اصبحت داخلية ايضا، تتمثل في ازمة بنيوية اصابت النظام السياسي واضعفت قدرته على ادارة الصراع مع الاحتلال، كما اضعفت قدرته على ادارة التعددية الوطنية ذاتها.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة الرسالة الاخيرة التي وجهها القائد الوطني / محمد دحلان، رئيس تيار الاصلاح الديمقراطي، باعتبارها محاولة للانتقال بالنقاش الفلسطيني من ادارة الخلافات الفصائلية الى مراجعة بنية النظام السياسي نفسه، وتنبع اهمية هذه الرسالة من مضمونها وتوقيتها فهي جاءت في لحظة تتجه فيها الانظار الى مرحلة جديدة بعد توقف آلية الدمار لو بشكل نسبي، حيث بات واضحا ان اعادة الاعمار وحدها لن تكون كافية ما لم تترافق مع اعادة بناء النظام السياسي على اسس اكثر رسوخا.

ومن هنا فان رسالة الأخ القائد / محمد دحلان، تطرح سؤالا يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية: اي نظام سياسي يحتاجه الفلسطينيون حتى لا تتكرر ماسي الماضي البعيد والقريب، وحتى تتحول التضحيات الوطنية الى مشروع دولة لا مجرد مشروع غير واضح المعالم.

لقد كشفت التجربة الفلسطينية منذ قيام السلطة الوطنية ان المشكلة لم تكن في التعددية السياسية، فالتعددية تمثل جوهر اي نظام ديمقراطي، وانما في غياب قواعد دستورية ومؤسساتية قادرة على تنظيمها، فقد تداخل مشروع التحرر الوطني مع متطلبات السلطة، واختلطت وظائف المقاومة بوظائف الحكم، وتحولت المنافسة على البرامج والرؤى تدريجيا الى منافسة على النفوذ وادوات السلطة، الامر الذي أضعف المؤسسات وفتح الباب امام الازمات المتلاحقة.

ومن هنا، فان الانقسام الفلسطيني عام 2007 لا ينبغي النظر اليه باعتباره خلافا سياسيا عابرا بين حركتي فتح وحماس، بل بوصفه نتيجة خلل بنيوي في النظام السياسي كشف ضعف الضمانات الدستورية، وغياب اليات فاعلة لتداول السلطة، وهشاشة المؤسسات الوطنية، فالراسخ أنه عندما يغيب القانون باعتباره المرجعية العليا، تصبح موازين القوة هي الوسيلة لحسم الخلافات، وهو ما دفع الشعب الفلسطيني ثمنه على مدار سنوات طويلة.

لقد أصاب القائد أبو فادي دحلان، حيث أكد في رسالته ان المراجعة الوطنية المطلوبة اليوم يجب ان تتجاوز البحث في اخطاء الماضي الى التفكير في المستقبل، فالقضية لم تعد تتعلق بتحديد المسؤوليات فحسب، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الفصيل والدولة، وبين الشرعية والقوة، وبين المقاومة وبناء المؤسسات، فلا يمكن لاي مشروع وطني ان يحقق اهدافه إذا ظل عاجزا عن انتاج شرعية متجددة او عن ادارة الاختلاف داخل اطار دستوري يحترمه الجميع.

فالدولة الحديثة لا تقوم على منطق الغلبة، بل على سيادة القانون والمواطنة المتساوية. والحزب أو الفصيل قد يفوز في الانتخابات، لكنه لا يمتلك الدولة، لان مؤسسات الامن والقضاء والادارة والمال العام هي ملك لجميع المواطنين، وليست ادوات بيد الحزب الحاكم. كما ان تداول السلطة ليس تنازلا من أحد، بل حق دستوري يضمن استقرار النظام السياسي ويحول دون اعادة انتاج الازمات، ولعل أبرز دروس التجربة الفلسطينية ان زمن حزب الدولة ودولة الحزب قد ولى الى غير رجعة، فلا دولة لفصيل، ولا فصيل فوق الدولة، بل دولة واحدة يحتكم الجميع فيها الى الدستور والقانون، وتبقى فيها السيادة للشعب وحده.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة الى عقد وطني فلسطيني جديد، لا باعتباره اتفاقا سياسيا مؤقتا بين الفصائل، بل باعتباره وثيقة تؤسس لمرحلة جديدة، يكون فيها الشعب مصدر الشرعية، والانتخابات الطريق الوحيد لتداول السلطة، والقانون المرجعية العليا، وتحظر فيها ممارسة العنف والسلاح في الخلافات الداخلية، مع ضمان استقلال المؤسسات، وتوسيع مشاركة الشباب والمرأة والكفاءات الوطنية والمستقلين في صناعة القرار.

ان ما يعيشه الفلسطينيون اليوم يمثل لحظة اختبار تاريخية، فأما ان تتحول الحرب الى محطة جديدة في مسار الانقسام، واما ان تكون بداية لمراجعة وطنية شاملة تعيد بناء النظام السياسي على اسس الشراكة والديمقراطية وسيادة القانون، فالأمم لا تنهض بمجرد انتهاء الحروب، بل بقدرتها على التعلم من تجاربها، وتحويل الالم الى اصلاح، والتضحيات الى مشروع وطني جامع، وربما تكون هذه هي المهمة الاكثر الحاحا في المرحلة المقبلة: الانتقال من ادارة الأمر الواقع الى بناء الدولة، ومن شرعية القوة الى قوة الشرعية، ومن وطن تتنازعه الفصائل الى دولة تتسع لجميع أبنائها.