لمــــن أقــــــرأ؟
نشر بتاريخ: 2026/08/31 (آخر تحديث: 2026/08/31 الساعة: 13:28)

تمرّ البلاد في محنة قاسية، في غزة يعيش الناس بين القصف والحصار والغلاء، يبيتون في خيم بائسة، يزيد بؤسها موجات الحر المتلاحقة، وأسراب البعوض، وقطعان الجرذان.. في الضفة عربدات المستوطنين، وأزمة البنزين، وأزمة الشيكل، وأنصاف الرواتب.. وفي الأفق تلوح تباشير تغييرات لا نعرف في أي اتجاه ستكون.

نشرات الأخبار تدعو للإحباط، الإذاعات المحلية تنتقي أغاني مملة، تدفعني لتغيير المحطة فوراً، أشعر بالزهق، أبحثُ، مثل كل مواطن، عن أي شيء يخرجني من دائرة الهموم والأحزان، أي شيء ينسيني الواقع، أترقب رسالة تأتي من عالم الغيب تحمل أنباء سارة.. أنظر إلى هاتفي النقال على أمل أن يأتيني بمكالمة تعيد لي توازني، أو خبر مفرح، أو مفاجأة غير متوقعة.. يرن الهاتف إشعاراً بتلقي رسالة، يخفق قلبي متفائلاً بأنها رسالة من البنك: تم إيداع راتبك كاملاً، يا له من حلم جميل، طيب على الأقل نصف راتب.. فإذا بها رسالة من وكالة وفا: الاحتلال يقصف تجمعاً في خان يونس، ورسالة أخرى: المستوطنون يعتدون على مزارع في طوباس.. بقية الرسائل: إشعارات من الاتصالات، ومن مصلحة المياه، ومن شركة الكهرباء بضرورة دفع الفواتير المستحقة.

افتح «الواتس اب»: «غروبات» من كل نوع، عشرات الرسائل جميعها منسوخة عن بعضها، مقاطع فيديو لمؤثرين يتلاعبون بأعصابنا ويستخفون بعقولنا، أخبار مفبركة، صور بالذكاء الاصطناعي، ونظريات مؤامرة.. أغادر الصفحة وفي كل مرة أعاهد نفسي ألا أعود إليها.. ولكني أعود من باب التياسة.

يرن الهاتف بإشعار جديد، هذه المرة رسائل الماسنجر، وكالعادة: «جمعة مباركة»، وأدعية معدة بالفوتوشوب، والأغرب منشورات سبق أن منحتُها إشارة إعجاب حتى يعرف أصحابها أنني قرأتها فلا يرسلونها على الخاص.

أفتح صفحتي على فيسبوك لمتابعة أي ردود فعل على مقالي، فإذا بجميع الإشعارات: فلان وفلان وفلان ذكروك مع المتابعين، أي دعوة منهم لقراءة منشوراتهم.. حسناً.. أمرّ عليها بسرعة وأوزع عليهم «لايكاتي» بسخاء، وقلوب حب أحياناً.

لنأتِ إلى الجد؛ أظلُّ أقلّب صفحات الفيس على عجل، قافزاً عن الدعايات، ومتجاوزاً مقاطع الريلز، وممتعضاً من أغلب المنشورات، وممتعضاً أكثر من التعليقات.. أتحمل هذا العذاب بانتظار ما سينشره بعض الأصدقاء والكتّاب والإعلاميين، الذين أقرأ كل ما ينشرونه باهتمام بالغ، حتى عندما يغيبون لفترة، أفتش عنهم.. سأذكر بعضاً منهم، وبترتيب عشوائي، لا يعني تفوق أحدهم على الآخر، فكلهم مبدعون.

البداية طبعاً مع زوجتي الغالية خلود، ولأن شهادتي بها مجروحة سأكتفي بالاعتراف بأن الكثير من مقالاتي مستوحاة من أفكارها الإبداعية.

الصديق عماد الأصفر؛ أقرأ كل ما ينشره بنهم، يكتب بأسلوب السهل الممتنع، بنظرة ثاقبة، وبوصلة وطنية إنسانية لا تخطئ.

عامر بدران؛ لا أفوّت شيئاً مما يكتبه، يمزج ببراعة بين السخرية والتحليل العميق، والثقافة الواسعة بأسلوب ساحر يستحضر أمثلة من التاريخ ويضعها في قلب الحاضر.

الإعلامي محمد دراغمة: من وجهة نظري الشخصية أعده أحد أكفأ الإعلاميين في الساحة الفلسطينية، يوجز تقريره بأقل الكلمات وأكثرها وضوحاً، دون ثرثرة، بمهنية عالية دون أن يتخلى عن وطنيته وفلسطينيته.

عصمت منصور: أنتظر ما يبثه وما يكتبه لأعرف بالضبط أين ستتجه الأمور، هو لا يكتفي بالشرح العميق والتحليل الصائب، بل يحرضنا جميعاً على التحرك والمبادرة، بالمعايير الوطنية والأخلاقية، ولأنه صادق يتحمّل كل الأذى من الذباب الإلكتروني، ومن الصفحات الصفراء.

زملائي كتّاب «الأيام»، أقرأ لهم جميعاً، ولكن باهتمام خاص أتابع حسن خضر، صاحب الثقافة الواسعة والرؤية التقدمية، ومهند عبد الحميد، أصدق وأوضح صوت فلسطيني متنور وإنساني.. وغسان زقطان وأكرم عطا الله، بتحليلاتهما الواعية وبروحهما الوطنية المنحازة لفلسطين.. بعيداً عن السياسة، في مجال النقد أقرأ خربشات عادل الأسطة.. وجميع القطع الأدبية الرائعة للمبدع زياد خداش بمفارقاتها المثيرة ودلالاتها المدهشة.

أترقب مقالات الرفيق عبد المجيد حمدان، لما تحملها من عمق تاريخي وفلسفي يضعها في قلب الحالة الفلسطينية الراهنة، وماجد كيالي الذي دأب على نقد مجمل التجربة الفلسطينية بضميرٍ وطني حريص، وصدق وموضوعية.. وأحمد زكارنة وأمير داوود، وخالد سليم لقلمهم الرشيق والمحبب.

من غزة: د. تيسير عبد الله: بمفرده، وبإمكانيات بسيطة، وفي ظروف في منتهى القسوة استطاع أن يخلق حالة غير عادية، يعمل بكفاءة وكالة أنباء، ومركز أبحاث، يحلل بعمق ورؤية ثاقبة، ويكتب بنبض صادق، يحمل آلام ومعاناة الغزيين..

د. فضل عاشور: بذهنية تقدمية، وبكل صراحة وسلاسة يجمع بين العلم والتحليل النفسي (بحكم تخصصه) وقضايا التحرر والنضال الوطني.

د. رياض عواد: من وعيه العميق وحسه الإنساني، ومن تجربته الشخصية المؤلمة يشخّص حال غزة وواقعها.

أكرم الصوراني: بقلمه الساخر، وبنبضٍ يفيض بمعاناة التجربة، يدعونا أن نسخر من مأساتنا وأن نتعظ منها.

أمين عابد: يكتب لفلسطين ولغزة ولفتح بقلبٍ مضرج بالمعاناة، وبجسدٍ مثخن بالجراح، وبأصابع كسّرتها طغمة حاقدة، يكتب بحب وإخلاص.

من غزة أيضاً أتابع بشغف واحترام كل ما يكتبه إبراهيم أبراش، وجميل عبد النبي، وهالة حسين، وأمجد أبو كوش، ومحمد التلباني، وماجد هديب، ومحمود جودة، وشجاع الصفدي، وسامية الغصين، وفداء زياد، ونعمة حسن.. وفي الحقيقة ما زلت متعجباً كيف يكتبون هذه الإبداعات بهذا الثبات الانفعالي وهم في قلب جحيم الحرب يكتوون بتداعياتها!

من الأردن الشقيق: أتابع باحترام منشورات الناشط هاشم العامر، والشاعر مروان البطوش.. وأحييهما على شجاعتهما في التصدي للغوغاء، وتفنيدهما للإعلام المضلل.

إذا أردت أن يكون وقتك على الفيس مفيداً وممتعاً، تابع أياً من هؤلاء.. ولن تندم.

طبعاً، هناك أسماء وشخصيات وازنة ومحترمة غفلتُ عنها دون قصد، أو لم يتسع المقال لذكرهم، أعتذر لهم.

قد يظن البعض أنّ اختياري لهذه الأسماء «انحياز معرفي»، أو «انحياز تأكيدي»، لأنهم يتشابهون سياسياً وفكرياً.. وهذه مغالطة أرفض الوقوع بها، فأنا أقرأ وأتابع ما يكتبه الآخرون، بما فيهم الخصوم، ومن أختلف معهم في كل شيء تقريباً.. لكنني انتقيت أسماء من أحبهم.