حتى لو جرى استبدال نتنياهو، فإن المنظومة التي أفرزته ستظل موجودة، وهذه هي المشكلة الحقيقية
نشر بتاريخ: 2026/09/14 (آخر تحديث: 2026/09/14 الساعة: 19:09)

• إن هوَس المعارضة الإسرائيلية بشخصية بنيامين نتنياهو يُنتج عمىً سياسياً خطِراً؛ يتدفق الجمهور الليبرالي ـ الصهيوني إلى صناديق الاقتراع، المرة تلو الأُخرى، بإيمانٍ يكاد يكون دينياً بأن إزاحة رئيس الحكومة من منصبه هي شرط ضروري وكافٍ للبدء "بالإصلاح العميق". هذه اللازمة "أولاً نُغيّر، ثم نُصلح" هي بمثابة قفز فوق جوهر المشكلة، وهي أيضاً السبب في أن المنظومة بأكملها تنجرف نحو اليمين، إلى مناطق فاشية ومسيانية.

• فالحقيقة المُرّة، التي يرفض كثيرون من المعارضين الاعتراف بها، هي أن نتنياهو فعلاً سيئ جداً، لكنه ليس مصدر الشر، واستبداله لن يشفي المرض الذي أوصله إلى الحكم طوال هذه المدة؛ نتنياهو هو الرمز وعَرَض من الأعراض، وليس مُسبِّب المرض؛ نتنياهو يجسّد تطلعات ومخاوف ونظرة العالم الحقيقية لدى أغلبية الجمهور اليهودي في إسرائيل، فهو لم يفرض نفسه على المنظومة، بل وجدت المنظومة فيه القائد المثالي للحفاظ على أسسها: الحفاظ على التفوق اليهودي، بحسب ما يتجسد في القوانين والمؤسسات وأولويات دولة إسرائيل، وتعميق السيطرة على الفلسطينيين، والتهرب من تسوية سياسية ديمقراطية ومتساوية.

• لقد حدثت نقطة التحول التاريخية التي مهّدت الطريق لعصر نتنياهو ـ خلافاً للولاية الوحيدة التي شغل فيها المنصب مباشرةً بعد اغتيال رئيس الوزراء يتسحاق رابين ـ في سنة 2000. إن إيهود باراك هو الذي صاغ مقولة "لا يوجد شريك"، بعد عودته من قمة كامب ديفيد. وبهذا الإعلان الحاسم، أغلق رئيس حكومة ينتمي إلى معسكر السلام، ظاهرياً، آخر تمييز جوهري كان لا يزال قائماً بين اليمين وبين ما كان يُسمّى بين اليهود في إسرائيل "اليسار"؛ فمنذ أن أعلنت قيادة الوسط ـ اليسار أنه لم يعُد هناك أيّ إمكان لتحقيق الرؤية السياسية التي طرحها رابين، انهار البرج الفكري الهشّ أصلاً.

• فُتحت الطريق في تلك اللحظة أمام نشوء كنيست ذي جوهر يميني بالكامل. إن الفوارق الاقتصادية الحقيقية تكاد لا تكون موجودة بين هذه الأحزاب، وحتى الفوارق في قضايا الدين والمجتمع يصعب العثور عليها وسط ضباب التوافقات القومية الصارمة. ومنذ كامب ديفيد، اصطف الملعب السياسي اليهودي بأكمله تحت تعريف واحد للأمن والقوة، ولم يبقَ خارجه إلّا الذين يرفضون قبول قواعد اللعبة الصهيونية: أحزاب يصوّت لها أساساً المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل، إلى جانب عدد محدود جداً من المواطنين اليهود؛ أمّا الأحزاب التي كانت القضية الفلسطينية والسياسية في صدارة أولوياتها، فدفعتها إلى أسفل سلّم الأولويات "هذا الوقت غير مناسب"، و"من الواضح للجميع أنه لا توجد الآن إمكانات لذلك."

• نشأ على هذه الأرض الخصبة أولئك الذين يُعتبرون اليوم "البديل"؛ فقادة المعارضة الرئيسيون، من يائير لبيد وبني غانتس، مروراً بنفتالي بينت وأفيغدور ليبرمان، وصولاً إلى غادي أيزنكوت، لا يمثلون رؤية مغايرة لرؤية نتنياهو، بل هم نتاج طبيعي داخل المنظومتين السياسية والثقافية اللتين يقودهما منذ أكثر من جيل. لم تكن شراكاتهم التاريخية معه أخطاء موقتة، أو تنازلات فُرضت عليهم قسراً؛ لقد سارع باراك في سنة 2009 إلى أحضان نتنياهو، وزيراً للدفاع؛ وفي سنة 2013، تولّى لبيد منصب وزير المال في حكومته، وصرّح بأنه لا مشكلة لديه مع المستوطنات؛ أمّا غانتس وأيزنكوت، فدخلا مراراً تحت نقالة "الطوارئ" من أجل تثبيت حُكمه وإدارة الاحتلال والفصل العنصري معه، وكانا شريكَين كاملَين في سياسة الإبادة الجماعية في قطاع غزة.

• لقد شعروا بالارتياح داخل حكوماته لأنهم كانوا يتشاركون معه الرؤية العميقة نفسها التي صاغها باراك في سنة 2000: إدارة الصراع بالقوة، وتعميق الامتيازات اليهودية، وتجنُّب الرؤية الديمقراطية الحقيقية. وبهذا المعنى، مثّلوا التيار الرئيسي في الصهيونية داخل إسرائيل، باستثناء بداية تغيير في الاتجاه المتعلق باتفاقيات أوسلو، الذي اتّضح لاحقاً أنه كان موقتاً: الاستمرار في قمع الفلسطينيين.

• وعندما تضع المعارضة اليوم هؤلاء الأشخاص على رأس قائمة المخلّصين، فإنها تمارس محواً تاريخياً وفكرياً؛ فهي لا تفهم أنه لا يمكن محاربة نتنياهو بواسطة "نتنياهو لايت"؛ إن اختيار التحالف معهم لمجرد تحقيق "ضبط تكتيكي"، أو "شراء الوقت"، هو اعتراف بالهزيمة الفكرية. وهو يضمن أنه حتى لو استُبدل نتنياهو كشخص، فإن المنظومة التي أنجبته ستبقى على حالها، وستواصل التطرّف، إلى أن تنجب خلفاء أكثر تطرّفاً، وأكثر فاشيةً وظلاماً.

• إن التصويت الاستراتيجي الحقيقي ليس تصويتاً من أجل "أمل صغير" بالعودة إلى النظام القديم المعيب؛ لن يبدأ الإصلاح في اليوم التالي لنتنياهو، لأن اليوم التالي، من دون تغيير جوهري في الرؤية، سيبدو تماماً مثل اليوم الذي سبقه. ومَن لا يريد أن يستوعب أن المنظومة الصهيونية الكلاسيكية وصلت إلى طريق مسدودة، وأن عليها أن تتغير من جذورها وتتحول إلى ديمقراطية حقيقية، قائمة على إنهاء الاستعمار، وعلى الشراكة الكاملة، يحكم على نفسه بالعيش في حلقة أبدية من جولات الانتخابات، وحكومات تغيير موقتة تتحطم أمام الواقع، وفي النهاية ـ الاستسلام الكامل لأكثر نُسخ اليمين ظلاماً.