في العلاقات السورية الفلسطينية
نشر بتاريخ: 2026/09/28 (آخر تحديث: 2026/09/28 الساعة: 15:47)

ربما نشأت فائدة، من كلام د. محمد اشتية، في جلسة أو في منتدى للتنظير تناولت أمر الرئيس السوري أحمد الشرع بكلام خاطيء. ولعل وجه الفائدة، هنا، أن الرئاسة الفلسطينية وجدت نفسها مضطرة إلى إصدار البيان الذي يمتدح الشرع ويشيد بالعلاقات الثنائية في ظل النظام الجديد. وفي الحقيقة إن هذا المنطق ينسجم مع حرصنا الفلسطيني على شعبنا في سوريا، ويلائم ضرورة أن نراعي ظروفه وأن نجنبه ردود أفعال سلبية، من النوع الذي عُرفت به حماقات عربية ضد مواطنينا، كلما سُمع مسؤول فلسطيني يهجو نظاماً، ويكون عامة الفلسطينيين لم يسمعوا بما قاله المسؤول الذي لم ينتخبوه ولم يفوضوه أصلاً !

يمكن أن نتغاضى عن تردي مستوى ضبط التصريحات، على مستوى الفريق الذي يتصدر السلطة، وما ينم هذا التردي على غياب السياسات المقررة التي يلتزم بها أعضاء الفريق الواحد. فمن بين العيوب ومفارقاتها، أن يُتلى بيان، باسم مجموع الفريق، يستنكر تصريحات عضو منه.

المفترض أننا في الكلام المحكي والمواقف، لا شأن لنا بالنظام السوري الجديد، لا سيما وأن ما يُحكي عنه سلبياً، خرافي وغير صحيح، وما يُحكى إيجاباً عن النظام الديكتاتوري السابق شديد السخافة ويتجاهل حقائق كبرى مفجعة. والصحيح أن الشرع كان من أتباع "السلفية الجهادية" وخاض تجربته فيها، وفي مرحلة كان له شأن مع هذه السلفية في العراق وعُد أمريكياً كأحد "الإرهابيين الدوليين". وكثيرون مروا بمراحل ثم اختلفت قناعاتهم وأدوارهم، وتقلدوا مناصب في بلدانهم. فمن الخطأ تثبيت الصفة السلبية على شخص ذي تجربة متحركة. فهكذا فعل الراحل قابوس سلطان عُمان ـ على سبيل المثال ـ عندما جعل يوسف بن علوي أحد أبرز صناع السياسات في بلاده، بعد أن كان من مؤسسي حركة المعارضة اليسارية المسلحة ضد الحكم في السلطنة. فالمتبرمون من أحمد الشرع، يجزمون أنه كان قطّاع رؤوس، وبعض قليل من المسرفين في الكلام، استمر يشكك في حقيقة نَسبه العائلي وشخصيته وجنسيته، بينما الرجل عندما اعتقل لخمس سنوات في العراق بعد أن ذهب إلى هناك لمقاتلة الاحتلال الأمريكي؛ وقع في أيدي القوات الأمريكية التي سلمته للحكم الجديد، الذي لن يتردد لحظة في إعدامه لو كان قتل مواطناً عراقياً واحدا. فقد دخل السجن سنة 2006 وأفرج عنه سنة 2011. وتعرض أبوه حسين للطرد من غير بلد، بسبب نشاط ابنه.

أخونا د. محمد اشتية، كان من بين ممارسي التنظير الناقص، عندما قال إن الشرع "ينام في سرير واحد مع الأمريكيين والإسرائيليين". ربما دليله في هذا هو شكل التعبير السياسي منزوع "الثورية" بلسان الشرع الحذز، بينما السوريون والعرب يعرفون أن "الثورية" في أوضاع التمزق الوطني لا تُجدي نفعاً، ويمكن الاكتفاء بعبارات مقتضبة تؤكد على التعاطف مع سائر الشعوب وقضاياها العادلة.

لم يقل اشتيه والذين ينّظرون، في أي سرير ينام الآخرون ومع مَن؟ وإن كانت اللغة السياسية الهادئة المتوائمة مع الخمود الفعلي العربي الشامل، تدل على أسرّة النوم، ففي أي سرير ومع مَن، ينام محمد اشتية ورئيس السلطة وسائر اللجان القيادية المرموقة في بلادنا؟!

الطريف أن الأخ اشتية، ذهب لتعديل الطاقية بعد ضرب الكف، فقال ما معناه إن هناك تحريف وإخراج من السياق لما تفوه به (وهو مسموع ومرئي بالصوت والصورة) وبادر الرجل الى "التصحيح"، فتحدث عن علاقات الشعبين السوري والفلسطيني (وهذا ليس الموضوع). وفي الموضوع قال إنه يتمنى لشعب سوريا "نظاماً ديموقراطياً يسود على كامل أراضي بلاده". وليت أمنيته هذه، تُرتجى لشعب فلسطين أيضاً!

على الرغم من ذلك، تقتضي حسابات السياسة، الثناء على نص بيان الرئاسة الفلسطينية، مع التذكير بعوار انفلات تصريحات الفريق الواحد، المسببة لردود أفعال سلبية تمس قضايا العلاقات الخارجية، ووحدة الوجدان الشعبي الفلسطيني، والإجهاز على الفساد، والعدالة الاجتماعية، والديموقراطية التي يهجس اشتيه بالقلق عليها.