نشر بتاريخ: 2026/01/06 ( آخر تحديث: 2026/01/06 الساعة: 14:12 )
مهند عبد الحميد

كرّاس حماس: قراءة خاطئة لنتائج الحرب

نشر بتاريخ: 2026/01/06 (آخر تحديث: 2026/01/06 الساعة: 14:12)

بعد عامين من حرب الإبادة التي سجلت خسائر فلسطينية فادحة وغير مسبوقة، خرجت حماس بتقييم شامل للحرب ونتائجها. من يقرأ الكرّاس يعتقد بأن النصر الملحمي كان من نصيب حماس والشعب الفلسطيني، والهزيمة كانت من نصيب إسرائيل. نتيجة مخالفة للواقع ولبنود خطة ترامب ولاستمرار أعمال القتل والتدمير من طرف واحد. وما كان لأي إنسان -باستثناء الفاشيين والعنصريين والقتلة - على كوكب الأرض يتمنى للشعب الفلسطيني هذا المصير البائس.

الكرّاس هو تدبيج انتقائي للأحداث بالاستناد إلى وسيلة إعلامية واحدة، بعيداً عن الوقائع وعن معاناة البشر وما حدث لهم في قطاع غزة، لم يتوقف كاتب الكرّاس عند أي توثيق محايد فوقع في عشرات المغالطات الكبيرة غير المفيدة، باستثناء أنها فتحت المجال أمام سجال يطال الاختلالات السياسية وثقافة «الولاء والبراء» وقواعد الحرب والمقاومة المستخلصة من كل الحروب. ثلاث قضايا يفتقدها الكرّاس في تقييم الأحداث والحكم عليها وهي (احترام العقل، والمعرفة، والتجربة) ولأنه يفتقدها فعلاً، لم تعترف قيادة حماس بخطأ واحد، أو حتى بسوء تقدير واحد، مع أن نسبة الخطأ موجودة في الدواء وفي المأكولات وفي استطلاعات الرأي وفي الرياضة والعلوم ونظرياته، حماس هي الطرف المنزّه عن أي خطأ في الحرب وما قبلها وما بعدها وفي كل شيء، لم يشذَّ عن هذه القاعدة قيادي واحد وبخاصة من المكتب السياسي للحركة.

عدَّدَت الحركة 20 إنجازاً لطوفان الأقصى معظمها خسائر لحقت بالعدو الذي «خرج مثقلاً بالهزيمة النفسية وفقدان الردع وقد سقطت سرديته وبدأ يتحول الى كيان منعزل ومنبوذ، وتأكدت إمكانية هزيمته. ويعاني من عزلة إقليمية ودولية، وسقوط أساطير وجود الاحتلال، وسقوط نظرية الأمن الإسرائيلي، وسقوط صورة إسرائيل الغربية وانهيار وهم الملاذ الآمن، انهيار السردية الإسرائيلية وانكشاف الوجه الحقيقي للاحتلال الذي بدأ يعاني من عزلة غير مسبوقة، وصلت الى حد النبذ على المستويات كافة، وقد سقط عنها قناع الضحية إلى الأبد. وتتعرض إسرائيل وقادتها إلى ملاحقات قانونية دولية ومذكرات اعتقال عبر محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية، وفضحت الحرب نفاق الديمقراطيات الغربية التي تساند الاحتلال، وتصاعدت حملات المقاطعة، وأدى الطوفان إلى إفشال مسار التطبيع، وإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة العالم كقضية تحرر وعدالة وكرامة. وإذا أضيف إلى ذلك ارتفاع نسبة الإسرائيليين الذين هاجروا من إسرائيل بسبب الحرب، والخسائر الاقتصادية والبشرية التي لحقت بهم نكون أمام عدو مهزوم ومنبوذ.

لوحة الخسائر الإسرائيلية والإنجازات الفلسطينية التي رسمتها حماس تضعنا أمام تغيير بعضُه مهم والبعض الآخر قابل للتراجع. التحول في الرأي العام العالمي وبخاصة في صفوف الأجيال الجديدة الذي عنوانه مناهضة الاحتلال الإسرائيلي وعزل دولة الاحتلال، والعلاقة غير المتوازنة بين دول الغرب وإسرائيل بدأ منذ اندلاع الثورة الفلسطينية، والذي تُوّج باعتراف الجمعية العامة بمنظمة التحرير، وباعتراف 134 دولة بدولة فلسطين كعضو مراقب قبل 7 أكتوبر، ومنذ 10 سنوات بدأ يتطور إلى مقاطعة إسرائيل. هذا ما يتجاهله كرّاس حماس الذي يقدم التحولات في الرأي العام كإنجاز لطوفان الأقصى. والأهم أن الكرّاس يتجاهل حقيقة تحول إسرائيل الى دولة منبوذة ومعزولة ومتوحشة بسبب شنها حرب إبادة وتدمير وتجويع ضد قطاع غزة، وبمستوى أقل لأنها تمارس التطهير العرقي في الضفة الغربية، وتنهب الأرض والموارد والمزروعات، إضافة لأموال الضرائب «المقاصة». ولأنها تزدري كل من يعارضها، بما في ذلك «العدل» و»الجنائية» والأمم المتحدة. أصبحت إسرائيل في موقع منبوذ ومكروه بسبب انتهاكاتها الفادحة للقانون الدولي وتحديها لإرادة المجتمع الدولي وابتزازها للدول والشعوب على حد سواء.

لم يكن هذا التطور بفعل طوفان الأقصى أو هجوم 7 أكتوبر الذي أدين من قبل المنظمات الحقوقية ومن الأمم المتحدة، ومن روسيا والصين وإنما بسبب حرب الإبادة وجرائم الحرب والتجويع والترهيب والتشريد التي فاقت في وحشيتها كل الحروب المعاصرة وبسبب غطرسة القوة الإسرائيلية. التحول في المواقف الدولية حصل بسب الإبادة والتدمير الذي لا يمكن مقارنته بالانتهاكات التي سجلتها المنظمات الحقوقية ضد حركة حماس، وأدانتها بشكل صريح بعد الطوفان، لأن هجوم 7 أكتوبر جمع بين مهاجمة أهداف عسكرية وأهداف مدنية والذي أدى إلى سقوط مدنيين إسرائيليين جراء ذلك، وبسبب احتجاز مدنيين بينهم أطفال ومسنون والتعامل معهم كأسرى حرب. كل التقارير الدولية التي أدانت حرب الإبادة وجرائم الحرب الإسرائيلية أدانت انتهاكات 7 أكتوبر، بما في ذلك إطلاق 5 آلاف صاروخ وقذيفة بدون تمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية الإسرائيلية. والمحكمة الجنائية التي أصدرت مذكرة باعتقال نتنياهو وغالانت أصدرت مذكرة باعتقال ثلاثة من قادة حماس، ومع ذلك يتحدى الكرّاس ان تكون حماس قد استهدفت مدنيين! لقد اعتادت حماس على تجاهل الواقع، فقد سبق لها وأن استهدفت مدنيين من خلال سلسلة من العمليات الاستشهادية التي أفتى بها وشرعنها الشيخ القرضاوي بمبرر توازن الرعب بين المقاومة ودولة الاحتلال، وعاد إلى تشريع وقفها بعد أن امتلكت حماس صواريخ تكفي لموازنة الرعب.

أخطر ما في الأمر هو اعتقاد حماس أن 7 أكتوبر دفع إسرائيل إلى شن حرب إبادة، وبسبب حرب الإبادة حدث التحول في الموقف الدولي وتحولت إسرائيل إلى دولة منبوذة ومعزولة. البعض يرى أن لدى حماس نظرية حول استدراج إسرائيل إلى ارتكاب جرائم حرب، ما يؤجج الرأي العام الدولي الذي سيضغط على حكوماته ويفضي الى ممارسة ضغط على دولة الاحتلال، وعندئذ يتوقف العدوان وتعلن حماس انتصارها وتتجذّر سيطرتها على المجتمع. حدث ذلك في أربع حروب مواجهة قبل 7 أكتوبر، معنى ذلك ان الخسائر البشرية وتدمير البنية التحتية للمجتمع هي أحد أهم أدوات الحرب لدى حماس. وهذا يفسر عدم اكتراثها بالخسائر البشرية.

في «خطاب النصر» الذي ألقاه حسن نصر الله عام 2006 قال لو كنا نعلم أننا كنا سنخسر كل هذه الخسائر لما أقدمنا على العملية التي قادت إلى هذه الحرب. غير أن خالد مشعل وأكثر من مسؤول قالوا «إننا كنا نتوقع الرد الإسرائيلي» ولم يبدوا أي حرج من تسببهم في هجوم الإبادة الإسرائيلي، وقال غازي حمد إن حماس ستكرر 7 أكتوبر. وعندما قال موسى أبو مرزوق لو كنا نعلم حجم الرد الإسرائيلي لما أقدمنا على 7 أكتوبر، سارعت حماس إلى نفي التصريح وقالت انه أُخرج من سياقه. وجاء في الكرّاس محط النقاش أن 7 أكتوبر لم يكن مغامرة بل كان فعلاً محسوباً. وقالوا إن إسرائيل كانت تعد العدة لحرب الإبادة بدون ذرائع، وكان 7 أكتوبر بمثابة عمل استباقي. يلاحظ أن نظرية حماس في عدم الاكتراث بخسائر شعبها بل واستخدامها، لا تنتمي إلى جوهر المقاومة ولا لأخلاقياتها التي تعمل على رفع المعاناة والاضطهاد عن شعبها، وصولاً إلى انتزاع حريته... . وللنقاش بقية.