نشر بتاريخ: 2026/09/26 ( آخر تحديث: 2026/09/26 الساعة: 01:47 )

الإمارات وغزة.. بين استقلال القرار وحق العتاب

نشر بتاريخ: 2026/09/26 (آخر تحديث: 2026/09/26 الساعة: 01:47)

الكوفية أثارت مشاركة الوفد الإماراتي في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في 24 سبتمبر/أيلول 2026، نقاشاً واسعاً، بعدما غادرت عشرات الوفود القاعة احتجاجاً على خطابه، بينما بقي الوفد الإماراتي في مكانه.

ومن خلال متابعة ما كتبه عدد من الناشطين والمغردين الإماراتيين على منصة «إكس»، بدا أن هناك تفسيراً لهذا الموقف: البقاء لا يعني التأييد، والمغادرة لا تصنع حلاً.

يرى أصحاب هذا الرأي أن الحضور داخل القاعة جزء من الدبلوماسية الفاعلة، وأن الحفاظ على قنوات الاتصال، خصوصاً في الأوقات الحرجة، قد يكون أكثر أهمية من الانسحاب أمام الكاميرات. كما يرون أن دعم الشعب الفلسطيني لا يقاس بمشهد رمزي واحد، بل بما يقدم على الأرض من مساعدات إنسانية وتحركات سياسية ودبلوماسية.

وفي المقابل، فإن الوفود التي غادرت القاعة أرادت توجيه رسالة سياسية ورمزية واضحة. وقد اكتسب مشهد المغادرة حضوراً إعلامياً وسياسياً، حتى لو اختلفت التقديرات حول قدرته على إحداث تغيير فعلي.

لكن السؤال الذي يهمني، كفلسطيني يعيش وجع غزة: هل يحق لنا أن نملي على الإمارات ما الذي ينبغي أن تفعله؟

سياسياً ودبلوماسياً، من حق الإمارات أن تختار أدواتها، وأن تدير سياستها الخارجية وفق رؤيتها وتقديرها لمصالحها ووسائل تأثيرها، وألا تكون قراراتها خاضعة لإملاءات الآخرين.

لكن إنسانياً وأخلاقياً، من حق الفلسطيني أيضاً أن يعبر عن عتابه، وأن يقول للدول العربية: كنا نتمنى أن نراكم إلى جانبنا في هذه اللحظة، وأن نرى مقاعدكم خالية أمام خطاب نتنياهو.

وهنا يجب أن نفرق بين العتاب والإملاء.

من حق الإمارات أن تختار أدواتها الدبلوماسية، ومن حق غزة في الوقت نفسه أن تنتقد هذا الخيار وتعبر عن توقعاتها. فلا ينبغي أن يتحول العتاب الفلسطيني إلى محاولة لفرض السياسة على دولة أخرى، كما لا ينبغي أن تتحول استقلالية القرار الإماراتي إلى حصانة من النقد.

ومن الإنصاف أيضاً ألا نختزل موقف الإمارات من فلسطين في لحظة واحدة داخل قاعة الأمم المتحدة؛ فالمواقف الدولية تُقاس بمجموعة من الأدوات، بينها المساعدات الإنسانية، والمواقف السياسية، والتحركات الدبلوماسية.

لكن للرموز السياسية أهميتها. ففي زمن الحرب، قد يتحول مقعد فارغ إلى رسالة، كما يمكن لمقعد حاضر أن يتحول إلى سؤال.

ونحن في غزة نحتاج إلى طرود غذائية وإنسانية تصل إلى خيام النازحين، لكننا نحتاج أيضاً إلى طرود سياسية محمّلة بالقرارات والمواقف العربية، تصل إلى المحافل الدولية دفاعاً عن شعبنا وقضيتنا. نحتاج الاثنين معاً: يداً تحمل الغذاء إلى غزة، ويداً تحمل قضيتنا إلى العالم.

لذلك، ليست القضية بالنسبة لي: من غادر ومن بقي؟

القضية الأعمق هي: كيف يمكن للدبلوماسية أن تحافظ على قنوات الاتصال، وفي الوقت نفسه ترسل رسالة واضحة إلى من يعيش تحت النار؟

غزة لا تملك حق إصدار التعليمات للدول، لكنها تملك حق السؤال والعتاب. والإمارات تملك حق اختيار أدواتها الدبلوماسية، لكنها، مثل أي دولة، لا تملك أن تطلب من الفلسطيني أن يصمت عن عتابه.

وبين استقلال القرار وحق العتاب، تبقى مساحة واسعة اسمها الاحترام المتبادل.