نشر بتاريخ: 2026/10/26 ( آخر تحديث: 2026/10/26 الساعة: 15:04 )
عبد المجيد سويلم

نتنياهو والانتخابات والصوت العربي

نشر بتاريخ: 2026/10/26 (آخر تحديث: 2026/10/26 الساعة: 15:04)

يُقرّ الجميع بأن نتنياهو يُجيد من بين مجموعة كبيرة من المهارات لعبة الانتخابات، بل تقرّ غالبية كبيرة من هذا الجميع بأنه يتفوق في هذه اللعبة تحديداً.

واللعبة الانتخابية وإدارتها فن مُعترف به في الغرب، وكل ما ينطوي على الألاعيب في هذا الفن يُعتبر مشروعاً في ثقافة وموروث هذا الغرب، ولا تُعتبر هذه الألاعيب نقيصة أو مثلباً، إن لم يكن العكس هو الصحيح.

وإذا كان من أهم ألاعيب هذا الفن هو إدارة التحالفات، وفك وتركيب تحالفات الخصم، وعقد الاتفاقيات، وتجميع وتحشيد الكتل والأصوات فإن نتنياهو يُعتبر بكل هذه المقاييس أستاذاً في لعبة الكواليس، وثعلباً في ربط الوعود بعضها ببعض، وتشبيكها للوصول إلى الخارطة التي تزكيه، أو تبقيه في حلبة المنافسة على ربح المبارزة دائماً.

أما التجربة الحسيّة الملموسة فتفيد بأن خصوم نتنياهو كانوا يخشون مفاجآته الأخيرة على هيئة كوابيس وليس أقل منها.

أزعم هنا أن الصورة قد انقلبت هذه المرة، وأن تجربة نتنياهو الغنية في لعبة وألاعيب الانتخابات لن تسعفه كثيراً هذه المرة.

ضاق عليه هامش المناورة، ولم يتبقّ في جعبته من «زوادة الوعود» ما يكفي بعد أن فقد سيف التهديد والوعيد، وفقد قاعدة الابتزاز الصلبة.

ومن هنا بالذات تبدأ حكاية سقوط نتنياهو، وليلة القبض عليه.

باختصار وتكثيف شديدين فإن إمكانية استمالة نفتالي بينيت قد تبخرت على ما يبدو وحتى الآن، أو حتى ثلاثة أو أربعة من قائمته لأسباب كثيرة لعل من أهمها أن بينيت وهو الرجل الأقوى بعد آيزنكوت يستطيع أن يحصل من خلال كتلة المعارضة في حال شكلت هي الحكومة القادمة أضعاف أضعاف ما يمكن أن يقدمه نتنياهو بما في ذلك التناوب على رئاسة الوزراء لأن هذه الإمكانية قد تكون مطروحة حتى على قائمة المعارضة، ليس هذا فقط وإنما أيضاً صعوبة أن يفي نتنياهو بوعد من هذا القبيل بعد تجربة الغدر التي أقدم عليها نتنياهو مع بيني غانتس، والتي ما زالت «طازجة» في الذاكرة السياسية والحزبية الإسرائيلية.

وبما أن تكتيك الاستمالة هو تكتيك حصري في قائمة نفتالي بينيت تصبح إمكانية التوصية بتشكيل الحكومة أقرب، وبما لا يُقاس إلى آيزنكوت - وسآتي على ذلك بعد قليل - ويصبح نتنياهو على دكة الانتظار إلى حين أن يتمكن آيزنكوت من أن يشكل الحكومة أو أن يستنفد المدة دون أن يتمكن من تشكيلها.

وهنا نكون أمام دعوات لحوحة من الرئيس هرتسوغ لحكومة وحدة وطنية كحل أمثل للواقع الإسرائيلي المأزوم، وشبه المنهار على كل الصعد والمستويات، وعلى واقع مفتوح على أخطر المشاحنات، وربما الاحتكاكات والصدامات.

هناك عقبات شديدة أمام توجه من هذا النوع، نتنياهو يريد أن يكون رئيساً للوزراء في المرحلة الأولى، وهذه مسألة مستحيلة من زاوية طبيعة الصراع ومعادلاته، ونتنياهو لن يحقق أهدافه الحقيقية، بما في ذلك تلك الشخصية، وهنا تكمن العقدة الأولى، أما الثانية فهي أصعب كثيراً من الأولى، ومفادها أن تدخل المعارضة في حكومة وحدة وطنية مع حزب الليكود، ويكون الليكود جاهزاً للتخلص من نتنياهو، وأن يكون مستعداً الليكود هنا للتخلص من الجناح الكهناتي السافر (نهج الكهنيزم)، وهذا الأمر ليس سوى الوصفة الجاهزة لتدمير اليمين الفاشي، مرة وإلى غير رجعة، إضافة إلى أن مثل هذه الوصفة قد تؤدي إلى إشعال حريق شامل داخل المجتمع الإسرائيلي من جهة، وإلى زلزلة الإقليم كله فيما إذا وجهت عصابات الإجرام من اليمين الكهناتي جام غضبها، ووجهت سلاح الفتك المباشر للمدنيين الفلسطينيين.

أقصد أن عقبات تشكيل حكومة وحدة وطنية تبدو أكبر بكثير مما يدور حولها من توقعات محتملة.

وعليه، وفي ضوء ذلك كله فلا أمل لنتنياهو بالنجاة هذه المرة وحظوظه منخفضة في المناورة والتلاعب بالانتخابات إن لم تكن معدومة أو تكاد.

الطامة الكبرى على نتنياهو أكبر من ذلك بكثير عندما نأتي على أهمية الصوت العربي في هذه الانتخابات.

وهنا دعونا نُفصّل قليلاً.

الأحزاب اليمينية الصغيرة لن تجتاز نسبة الحسم إذا بلغت نسبة التصويت أكثر من ٧٠٪، وحتى لو تجاوز بعضها هذه النسبة فهي ستكون قد حصلت أصواتها من الرصيد اليميني نفسه، ما يجعل مقاعد قوائم الائتلاف هي التي تدفع ثمن هذا التجاوز، وهو ما يجعل تجاوزها بلا فائدة عملية، وتُبقي آمال نتنياهو عند نقطة الانطلاق، وتبقى قدرته على التلاعب عند نفس المعدّل.

أما إذا بلغت نسبة التصويت عند فلسطينيي الداخل حدود الـ 74% أو أكثر، فإن أقصى حد يمكن أن تحصل عليه قوائم الائتلاف هو 49 مقعداً، وقد تنخفض إلى 47 مقعداً أو حتى أقل.

في هذه الحالة يحتاج نتنياهو إلى خمسة أو أربعة عشر مقعداً ليحظى بفرصة التكليف والتشكيل، وهو أمر لم يعد ممكناً على الإطلاق.

ولهذا، ولهذا بالذات، فإن الصوت العربي هو المفتاح الأول، وهو الوحيد في هذه الانتخابات المصيرية القادر على إسقاط حكومة نتنياهو، وهو الضمانة الأولى، والتي لا ضمانة موثوقة غيرها لإنهاء نهج تصفية حقوق الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، ليس لأن الأحزاب الصهيونية الأخرى ليس لديها مثل هذا النهج وإنما بسبب أن هذه الأخيرة ليست قادرة على المضي قدماً في نهج كهذا في هذه المرحلة لأسباب معروفة وكثيرة.

ولكن أهمها هي أن هذه الأحزاب لديها جدول أعمال، وأولويات عاجلة وملحة تتعلق بترميم الحالة الإسرائيلية التي تتحول إلى أزمات وجودية من زاوية هوية الدولة، ومن زاوية طبيعة النظام السياسي ومن زوايا سياسية واجتماعية واقتصادية تشكل في درجة أهميتها وإلحاحيتها، مركز الاهتمام الأول، والأولوية المطلقة.

ومن هنا فإن التصويت بكثافة، وبأعلى درجة ممكنة هو أولوية وطنية مطلقة لا تعلو عليها في الظرف المصيري اليوم أي أولوية من أي نوع كانت، وهي مسألة مصيرية كبرى، وهي أكبر مسألة مصيرية تواجه الشعب الفلسطيني منذ النكبة وحتى يومنا هذا.

لا يوجد ولا يمكن أن يكون هناك للتخلف عن هذا الواجب الوطني من مبرر فكري أو ثقافي أو ديني أو سياسي.

ونقول لكل هؤلاء بصريح العبارة وبأوضح صورها إن مهمة كل وطني في ظرف كالذي تمر به القضية الفلسطينية من كل جوانبها، وفي كل جوانبها ليس تسجيل المواقف، والإبقاء على التراث السياسي، والتمسُك بالمبدأ إذا كان الثمن هو الثمن الذي بِتنا نعرفه، وإذا كان المصير الذي ننتظره من حكومة اليمين الفاشي هو المصير المعروف والمعلن.

ليست مهمة الوطنيين تسجيل وقائع التاريخ، وإنما صناعته، ومن يتأخر في هذه المعركة المصيرية فإنه سيجد نفسه عبئاً على المؤرخين الذين هم فقط من يحق لهم الاكتفاء بهذا الدور.

وعلينا أن نتذكر أن الحرب ما زالت على جدول الأعمال، وأن سقوط نتنياهو وترامب سيؤدي إلى حرب يستحيل ربحها وهنا يبدأ السقوط الكبير.

نحن على أبواب تحولات هي الأكبر والأهم منذ أكثر من مئة عام.

أميركا تغامر في حروب ستدمر الاقتصاد العالمي إذا خسرتها، وهي حروب فقدت القدرة على ربحها، وترامب ونتنياهو سيُحاربان معاً إذا أتيحت لهما فرصة الحرب، وهي حرب مطاردة السراب، وسيسقطان معاً في الانتخابات، وهنا سيبدأ مسار الانقلاب على النتائج إذا تعذرت الحرب، ومن الانقلاب إلى الحروب الداخلية، وهذا هو السقوط الكبير بعينه، وهو سقوط قادم لا محالة حتى ولو اعتقد الثنائي الشرير بأن ثمة إمكانية لتفادي هذا السقوط.