ما بعد حوار القاهرة: غزة بين إدارة الاستنزاف ومخاطر انهيار الاتفاق والصراع على إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني
ما بعد حوار القاهرة: غزة بين إدارة الاستنزاف ومخاطر انهيار الاتفاق والصراع على إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني
الكوفية تشهد القضية الفلسطينية، وقطاع غزة على وجه الخصوص، واحدة من أكثر اللحظات التاريخية تعقيداً منذ عقود، حيث لم تعد حرب الإبادة الجارية مجرد مواجهة عسكرية بين الاحتلال الإسرائيلي وقوى المقاومة الفلسطينية، ولم تعد المفاوضات تدور حول وقف إطلاق النار أو إدخال المساعدات الإنسانية فحسب، والاعمار بل باتت تتعلق بإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني برمته، وتحديد طبيعة النظام السياسي والأمني والإداري الذي سيحكم قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، ومستقبل السلاح الفلسطيني، وشكل العلاقة بين غزة والضفة الغربية، ومكانة السلطة الفلسطينية، وآليات إعادة الإعمار، وحدود السيادة الوطنية الفلسطينية، وموقع القضية الفلسطينية في النظامين الإقليمي والدولي.
لقد انتقلت المفاوضات الجارية في القاهرة من البحث في كيفية إنهاء الحرب إلى التفاوض حول شكل "اليوم التالي"، ومن إدارة الأزمة الإنسانية إلى إعادة هندسة الواقع السياسي والأمني الفلسطيني. وفي المقابل، تواصل إسرائيل توظيف الحرب والتفاوض بصورة متزامنة، بحيث يتحول التفاوض إلى أحد أدوات إدارة الصراع وليس مدخلاً لإنهائه.
وتكشف المعطيات المتراكمة أن قطاع غزة أصبح ساحة تنافس بين أربعة مشاريع رئيسية: مشروع فلسطيني يسعى إلى حماية الشعب الفلسطيني والحفاظ على حقوقه الوطنية وإعادة بناء نظامه السياسي، ومشروع إقليمي ودولي يهدف إلى منع الانهيار الشامل وإدارة مرحلة انتقالية أكثر استقراراً، ومشروع أمريكي يعمل على ربط إعادة إعمار غزة بإصلاح السلطة الفلسطينية وإعادة ترتيب البيئة السياسية الإقليمية، ومشروع إسرائيلي يسعى إلى إعادة هندسة القطاع سياسياً وأمنياً وديمغرافياً بما يضمن استمرار الهيمنة الإسرائيلية ومنع إعادة إنتاج المقاومة أو قيام كيان فلسطيني موحد يمتلك مقومات السيادة.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه مصادر الوسطاء وحركة حماس وفريق مجلس السلام عن تقدم نسبي وجسر فجوات مهمة في المفاوضات، تستمر إسرائيل في توسيع وجودها العسكري داخل القطاع واستكمال بناء مواقع عسكرية جديدة وتعزيز سياسة الأحزمة الأمنية والمناطق العازلة، بما يعكس وجود فجوة عميقة بين المسار التفاوضي والمسار الميداني.
أولاً: من وقف الحرب إلى الصراع على "اليوم التالي"
لم تعد الحرب على غزة مجرد مواجهة عسكرية أو جولة من جولات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل تحولت إلى لحظة تأسيسية يجري خلالها التنافس على إعادة رسم مستقبل القطاع وموقعه داخل النظام السياسي الفلسطيني.
فبعد أكثر من عامين ونصف من الإبادة الجماعية والتدمير المنهجي والتجويع والحصار والتهجير القسري، انتقل مركز الثقل من سؤال: كيف تتوقف الحرب؟ إلى سؤال أكثر عمقاً وخطورة: من سيحكم غزة بعد الحرب؟ ومن سيمتلك القرار السياسي والأمني؟ وكيف ستدار عملية إعادة الإعمار؟ وما هو مستقبل المقاومة والسلاح؟ وما هي طبيعة العلاقة بين غزة والضفة الغربية؟ وما هو شكل النظام السياسي الفلسطيني القادم؟
وتعكس هذه الأسئلة انتقال الصراع من المستوى العسكري المباشر إلى مستوى إعادة تعريف الواقع الفلسطيني وإعادة توزيع مراكز القوة والنفوذ داخله.
ثانياً: التفاوض تحت النار وإدارة الاستنزاف
تجري المفاوضات الحالية بينما تستمر حرب الإبادة والتجويع والحصار، وتتواصل الاعتداءات العسكرية وسياسات النزوح القسري وتوسيع المناطق العازلة.
فإسرائيل لا تتعامل مع التفاوض باعتباره بديلاً للحرب، بل باعتباره أحد أدواتها، إذ تستخدم القوة العسكرية لتحسين شروطها السياسية، وتستخدم المفاوضات لشراء الوقت وإعادة ترتيب الوقائع على الأرض.
وقد كشفت التطورات الأخيرة عن استمرار توسيع السيطرة الإسرائيلية داخل القطاع، وتحريك ما يسمى "الخط الأصفر" في مناطق التفاح والشجاعية، والسيطرة بالنار على أجزاء واسعة من شارع صلاح الدين، مع استمرار الحديث الإسرائيلي عن أحزمة أمنية طويلة الأمد.
كما أشارت تقارير إسرائيلية إلى استكمال بناء نحو أربعين موقعاً عسكرياً داخل قطاع غزة، في مؤشر واضح على أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تستعد لوجود طويل الأمد داخل أجزاء واسعة من القطاع.
ومن ثم فإن جوهر الأزمة لا يكمن في بند تفاوضي محدد، بل في غياب قرار إسرائيلي استراتيجي بإنهاء الحرب والانتقال إلى تسوية سياسية قائمة على القانون الدولي والحقوق الوطنية الفلسطينية.
ثالثاً: خارطة طريق مجلس السلام ومحاولة بناء المرحلة الانتقالية
برزت خلال الأشهر الأخيرة خارطة الطريق المرتبطة بمجلس السلام، والتي تقوم على رؤية انتقالية متعددة المراحل تشمل استكمال اتفاق وقف إطلاق النار، وإنشاء لجنة وطنية لإدارة غزة، وتشكيل قوة استقرار دولية، وتنفيذ البروتوكول الإنساني، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وانسحاباً إسرائيلياً تدريجياً، وتمكين سلطة فلسطينية مُصلحة، وصولاً إلى مسار سياسي يقود إلى تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية.
وتستند هذه المقاربة إلى مبدأ وحدة المرجعية السياسية والأمنية الفلسطينية، وإخضاع السلاح لترتيبات وطنية متوافق عليها، مع وجود آليات دولية للتحقق من التنفيذ ومراقبة الالتزام بالاتفاقات.
وقد شهدت الأيام الأخيرة تطوراً مهماً تمثل في الاجتماعات المكثفة التي عقدها نيكولاي ملادينوف مع حركة حماس والوسطاء المصريين والقطريين والأتراك، حيث تم إدخال تعديلات على الوثائق التفاوضية الخاصة بالمرحلة الثانية، وتم الحديث عن جسر فجوات واسعة في مختلف بنود خارطة الطريق.
رابعاً: عقدة السلاح بين الأمن والسيادة
يشكل ملف السلاح الفلسطيني أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، لكنه في جوهره ليس مجرد قضية أمنية، بل قضية مرتبطة بالسيادة والشرعية والتمثيل السياسي.
فالسؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن يحمل السلاح، وإنما بمن يملك القرار الوطني، ومن يدير الأمن، ومن يحدد عقيدة المؤسسة الأمنية الفلسطينية في مرحلة ما بعد الحرب.
وقد أظهرت المباحثات الأخيرة تقدماً في التوصل إلى مقاربات تتعلق بحصر وتخزين السلاح الثقيل وإدارته فلسطينياً مع وجود رقابة أو تحقق دولي دون تسليمه لإسرائيل.
كما جرى التوافق على ربط أي ترتيبات أمنية باستحقاقات متزامنة تشمل وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي ودخول لجنة إدارة غزة وانتشار قوة الاستقرار الدولية وبدء إعادة الإعمار.
إلا أن الخلافات لا تزال قائمة حول تعريف البنية التحتية العسكرية، ومستقبل الأنفاق، والسلاح الشخصي والخفيف، وسلاح العشائر والمجموعات المسلحة غير النظامية.
وتعكس هذه الخلافات استمرار التناقض بين منطق السيادة الوطنية ومنطق الأمن الإسرائيلي.
خامساً: إشكالية التسلسل السياسي والأمني
تكشف المفاوضات عن تعارض جوهري بين مقاربتين:
الأولى فلسطينية وإقليمية ترى أن وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي وبدء إعادة الإعمار يجب أن يسبق أي ترتيبات أمنية نهائية.
أما الثانية إسرائيلية فتسعى إلى جعل ملف السلاح والبنية التحتية العسكرية شرطاً مسبقاً لأي تقدم سياسي أو إنساني.
ويمثل هذا التناقض أحد الأسباب الرئيسية للتعثر التفاوضي.
سادساً: إسرائيل بين الأمن والهيمنة
تكشف تصريحات بنيامين نتنياهو حول الأحزمة الأمنية في غزة وجنوب لبنان وسوريا أن الحكومة الإسرائيلية لا تنظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها مرحلة تسوية سياسية، بل باعتبارها مرحلة إعادة إنتاج الهيمنة الأمنية والعسكرية.
فالهدف الإسرائيلي لا يقتصر على نزع السلاح أو منع التهديدات الأمنية، بل يمتد إلى منع قيام أي سلطة فلسطينية موحدة تمتلك مقومات السيادة أو القدرة على إدارة القطاع بصورة مستقلة.
ومن هنا يمكن فهم الرفض الإسرائيلي المتكرر للعديد من المقاربات التي توصل إليها الوسطاء مع الأطراف الفلسطينية.
سابعاً: لجنة إدارة غزة والإدارة الانتقالية
تشكل لجنة إدارة غزة أحد الأعمدة الأساسية لأي مرحلة انتقالية.
غير أن نجاحها ما زال يواجه تحديات عديدة تتعلق بطبيعة تشكيلها وتمثيلها الوطني وتأخر دخولها إلى القطاع واستمرار الحرب وغياب التمويل الكافي.
ورغم ذلك فإن وجود إدارة فلسطينية مهنية وشفافة وذات شرعية وطنية يبقى شرطاً أساسياً لنجاح أي ترتيبات مستقبلية.
ثامناً: السلطة الفلسطينية بين الإصلاح والتمكين
تشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة وبعض الأطراف الإقليمية تنظر إلى السلطة الفلسطينية باعتبارها الإطار الأكثر قبولاً لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة، لكن ضمن شروط إصلاحية واسعة تشمل تعزيز الحوكمة والشفافية والمساءلة وإعادة بناء القدرات المالية والإدارية.
كما ترتبط هذه المقاربة بمناقشات جارية حول مستقبل أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة وإمكانية توظيف جزء منها لدعم ترتيبات الإدارة الانتقالية وإعادة الإعمار.
تاسعاً: الوسطاء كخط الدفاع الأخير عن الاتفاق
في ظل غياب إرادة دولية حقيقية قادرة على فرض الحلول، بات الوسطاء يمثلون خط الدفاع الرئيسي عن فرص بقاء المسار التفاوضي.
وتلعب مصر الدور المركزي في هذا المسار، فيما تؤدي قطر دوراً مهماً في التمويل والإغاثة والدعم السياسي، وتسعى تركيا إلى توفير غطاء سياسي ودبلوماسي أوسع.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الاجتماعات التي عقدت بين حماس وملادينوف والوسطاء أفضت إلى مؤشرات إيجابية وإلى جسر فجوات مهمة في معظم القضايا المطروحة.
كما تؤكد التصريحات الصادرة عن حركة حماس وجود توافقات واسعة بشأن استكمال المرحلة الأولى والدخول في المرحلة الثانية، مع استمرار المشاورات الداخلية قبل تقديم الرد النهائي.
غير أن استمرار الحوار لا يعني الوصول إلى اتفاق نهائي، بقدر ما يعكس محاولة منع انهيار المفاوضات والحفاظ على ما تحقق من تفاهمات.
عاشراً: الهدنة المحتملة والانفراجة الاقتصادية
تشير المؤشرات إلى وجود مساعٍ لربط أي هدنة طويلة الأمد بحزمة من الإجراءات الاقتصادية والإنسانية تشمل إدخال المساعدات والوقود والطاقة وإعادة تشغيل المرافق الحيوية وإطلاق مشاريع التعافي المبكر والشروع في إعادة الإعمار.
إلا أن التجارب السابقة تؤكد أن أي انفراجة اقتصادية ستظل هشة ما لم ترتبط بتسوية سياسية واضحة وضمانات دولية ملزمة.
الحادي عشر: التحولات الإقليمية والدولية
لم تعد غزة ملفاً منفصلاً عن التحولات الإقليمية والدولية.
فالتفاهم الأمريكي الإيراني، ومحاولات إعادة ترتيب الإقليم، ومسارات التطبيع العربي الإسرائيلي، كلها عوامل تؤثر بصورة مباشرة على مستقبل القطاع.
كما تسعى واشنطن إلى ربط إعادة إعمار غزة بإصلاح السلطة الفلسطينية وإعادة هندسة البيئة السياسية الفلسطينية ضمن رؤية إقليمية أوسع.
الثاني عشر: غياب التوافق الوطني والخطر الأكبر
يبقى الانقسام الفلسطيني أحد أخطر التحديات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني.
فكلما تأخر التوافق الوطني تعمقت مشاريع الفصل بين غزة والضفة، وتوسعت مشاريع الضم والاستيطان، وازدادت فرص فرض ترتيبات خارجية على الفلسطينيين.
الثالث عشر: إعادة الإعمار كمدخل لإعادة بناء المشروع الوطني
لا ينبغي النظر إلى إعادة الإعمار باعتبارها مجرد عملية هندسية أو مالية، بل باعتبارها عملية وطنية شاملة لإعادة بناء المجتمع الفلسطيني ومؤسساته واقتصاده ونظامه السياسي.
الرابع عشر: الأولويات الوطنية العاجلة
تتمثل الأولويات الفلسطينية الراهنة في وقف حرب الإبادة، وحماية المدنيين، ووقف التجويع والحصار، وضمان تدفق المساعدات، وإطلاق عملية التعافي والإعمار، ومنع التهجير القسري، واستعادة الأمن والسلم الأهلي، وإنهاء الانقسام، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة والديمقراطية وسيادة القانون.
الخامس عشر: السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول: هدنة مستدامة وتعافٍ تدريجي.
السيناريو الثاني: الاستنزاف التفاوضي طويل الأمد (الأكثر ترجيحاً).
السيناريو الثالث: انهيار الاتفاق وعودة الحرب.
السيناريو الرابع: فرض ترتيبات خارجية.
السيناريو الخامس: إعادة هندسة غزة تحت الهيمنة الإسرائيلية.
الخلاصة الاستراتيجية
تكشف مجمل التطورات أن غزة لم تعد مجرد ساحة حرب، بل أصبحت ساحة صراع على إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني ومستقبل القضية الفلسطينية وموقعها في الإقليم والنظام الدولي.
فالمعركة الحقيقية لم تعد تدور فقط حول وقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى أو مستقبل السلاح، بل حول من يمتلك حق تعريف "اليوم التالي"، ومن يحدد شكل النظام السياسي الفلسطيني وطبيعة الإدارة الانتقالية ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني.
وتؤكد اللقاءات الجارية بين الوسطاء وحركة حماس ومجلس السلام ونيكولاي ملادينوف أن مشروع المرحلة الانتقالية ما زال قائماً، وأن المفاوضات انتقلت من مرحلة اختبار إمكانية الاتفاق إلى مرحلة مناقشة آليات التنفيذ والتفاصيل العملية.
غير أن استمرار التوسع العسكري الإسرائيلي وبناء المواقع العسكرية الجديدة ورفض تقديم التزامات واضحة بالانسحاب وإنهاء الحرب يكشف أن العقبة الأساسية ما زالت تتمثل في غياب الإرادة الإسرائيلية للانتقال من إدارة الحرب إلى إنهائها.
وفي ضوء التحولات الإقليمية والدولية الجارية، تبرز مخاوف جدية من تراجع أولوية غزة على الأجندة الدولية، ما لم ينجح الفلسطينيون والوسطاء والمجتمع الدولي في تحويل المسار التفاوضي الحالي إلى إطار سياسي ملزم يفضي إلى وقف حرب الإبادة وإنهاء الحصار ومنع التهجير وإطلاق عملية إعادة إعمار شاملة.
وبناءً على مجمل المعطيات المتوافرة حتى الآن، يبقى سيناريو الاستنزاف التفاوضي طويل الأمد هو الأكثر ترجيحاً، مع وجود فرصة حقيقية لبلورة اتفاق مرحلي إذا نجح الوسطاء في تحويل التفاهمات الحالية إلى التزامات متبادلة مدعومة بضمانات دولية فاعلة.
ويبقى السؤال المركزي مفتوحاً: هل تنجح الجهود الإقليمية والدولية في تحويل إدارة الأزمة إلى مسار إنقاذ وطني وإنساني وسياسي حقيقي، أم أن غزة ستظل رهينة نموذج دائم من الاستنزاف المفتوح وإعادة إنتاج الصراع وإعادة هندسة الواقع الفلسطيني؟