التحالف الانتخابي المقترح بين التيار الإصلاحي وحماس وآخرين وانعكاساته على الرصيد الشعبي للتيار
صلاح العويصي
التحالف الانتخابي المقترح بين التيار الإصلاحي وحماس وآخرين وانعكاساته على الرصيد الشعبي للتيار
الكوفية أولًا: الملخص التنفيذي
تشير التسريبات والتقارير الإعلامية المتداولة خلال الأيام الأخيرة إلى وجود اتصالات ومشاورات بشأن تشكيل تحالف انتخابي فلسطيني واسع لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة، يضم حركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، والتيار الإصلاحي الديمقراطي في حركة فتح بقيادة محمد دحلان، إلى جانب قوى وشخصيات وطنية أخرى.
ورغم الحديث عن تفاهمات أولية، فإن طبيعة التحالف وشكله النهائي لم تُحسم بعد، وهو ما يفرض التعامل معه باعتباره سيناريو سياسيًا وانتخابيًا قيد البحث، وليس اتفاقًا نهائيًا.
ومن منظور سياسي وانتخابي، فإن السؤال الأساسي الذي ينبغي أن يسبق اتخاذ القرار ليس: هل التحالف مع حماس ممكن؟ وإنما:
هل التحالف الانتخابي مع حماس سيضيف إلى الرصيد الشعبي للتيار الإصلاحي أكثر مما قد يقتطع منه؟
وتبرز هنا ضرورة التمييز بين التحالف السياسي، والتنسيق الوطني، والتحالف البرلماني بعد الانتخابات، والتحالف الانتخابي قبل الانتخابات.
فالتحالف البرلماني اللاحق يمكن أن يكون مرنًا وبراغماتيًا، ويُبنى على نتائج الصندوق والبرامج والمصالح المشتركة. أما القائمة الانتخابية المشتركة فتُقدَّم للناخب باعتبارها مشروعًا سياسيًا مشتركًا، الأمر الذي يجعل الفصل بين مواقف وممارسات الأطراف المشاركة أكثر صعوبة.
وبناءً على ذلك، فإن التقدير الأكثر حذرًا يشير إلى أن خوض التيار الإصلاحي الانتخابات بهويته وقائمته المستقلة، مع إبقاء أبواب التحالف السياسي والبرلماني مفتوحة بعد الانتخابات، قد يكون الخيار الأكثر أمانًا لحماية رصيده الشعبي، ولا سيما في قطاع غزة.
⸻
ثانيًا: المعطيات الراهنة
لا ينبغي التعامل مع الأخبار والتسريبات المتداولة باعتبارها اتفاقًا نهائيًا؛ إذ تتحدث المعلومات المنشورة عن تفاهمات واتصالات ومشاورات، في حين تشير معطيات أخرى إلى أن طبيعة التحالفات وشكل القائمة لم يُحسم بعد.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة؛ لأن التقدير السياسي الرصين يجب أن يبنى على تقييم السيناريو في حال تحوله إلى تحالف انتخابي فعلي، وليس على افتراض أن الاتفاق أصبح أمرًا واقعًا.
⸻
ثالثًا: جوهر المشكلة — طبيعة التحالف وتوقيته
لا يمكن إنكار أهمية التحالفات السياسية والانتخابية، كما لا يمكن اعتبار التعاون مع القوى الفلسطينية المختلفة خطأً سياسيًا في حد ذاته.
لكن هناك فرقًا جوهريًا بين:
1. التفاهم الوطني.
2. التنسيق السياسي.
3. التحالف البرلماني.
4. التحالف الانتخابي.
وهذه المستويات ليست متطابقة.
فالتيار الإصلاحي يستطيع الحوار مع حماس، والالتقاء معها حول القضايا الوطنية، والتعاون في ملفات المصالحة وإعادة بناء النظام السياسي، بل ويمكنه التحالف معها داخل البرلمان إذا أفرزت الانتخابات مصالح مشتركة.
لكن تحويل هذا التفاهم إلى قائمة انتخابية واحدة يغيّر طبيعة الرسالة التي تصل إلى الناخب.
فالناخب قد لا يقرأ القائمة باعتبارها اتفاقًا تكتيكيًا مؤقتًا، وإنما باعتبارها اصطفافًا سياسيًا مشتركًا. وهنا تكمن المخاطرة الأساسية.
⸻
رابعًا: الرصيد الشعبي للتيار الإصلاحي
يمتلك التيار الإصلاحي، ولا سيما في قطاع غزة، فرصة انتخابية ينبغي التعامل معها بجدية.
وتقوم هذه الفرصة على وجود شرائح من الجمهور تبحث عن بديل لحالة الانقسام والاستقطاب، وترى في محمد دحلان والتيار الإصلاحي خيارًا قادرًا على:
* إعادة بناء الحياة السياسية.
* تحسين الواقع المعيشي.
* استعادة قدرة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم.
* فتح أفق سياسي جديد.
* تجاوز حالة الجمود والانقسام.
والرصيد الانتخابي المحتمل للتيار لا يقتصر بالضرورة على أنصاره التنظيميين، وإنما يمكن أن يشمل:
* ناخبين فتحاويين غير راضين عن القيادة الرسمية.
* مستقلين يبحثون عن خيار عملي.
* قطاعات شبابية لا ترى مستقبلًا في الانقسام التقليدي.
* مواطنين في غزة يريدون تغييرًا سياسيًا وإداريًا.
* أصواتًا ترى في دحلان خيارًا قادرًا على التعامل مع الواقع الإقليمي والدولي.
* قطاعات من أبناء فتح المحسوبين على الشرعية التنظيمية، لكنهم غير راضين عن أداء القيادة الحالية.
وتُعد الفئة الأخيرة تحديدًا من أكثر الفئات حساسية.
فالتيار الإصلاحي، عندما يخوض الانتخابات منفردًا، يستطيع مخاطبة هذه الكتلة باعتباره بديلًا فتحاويًا إصلاحيًا قادرًا على استعادة القرار السياسي وفتح مرحلة جديدة.
أما الدخول في قائمة مشتركة مع حماس فقد يؤدي إلى إضعاف وضوح هذه الرسالة.
⸻
خامسًا: خطر انتقال الأصوات بدلًا من زيادتها
من أبرز المخاطر الاستراتيجية افتراض أن جمع القواعد الانتخابية للأطراف المختلفة سيؤدي تلقائيًا إلى جمع أصواتها.
فالانتخابات لا تعمل دائمًا وفق قاعدة الجمع الحسابي:
رصيد التيار الإصلاحي + رصيد حماس = الرصيد الانتخابي للتحالف.
فبعض الناخبين الذين يمكن أن يصوتوا للتيار الإصلاحي عندما يخوض الانتخابات مستقلًا، قد يترددون أو يمتنعون عن التصويت أو ينتقلون إلى خيار آخر عند رؤية حماس داخل القائمة نفسها.
وبالتالي، قد يكسب التحالف جزءًا من أصوات حماس، لكنه في المقابل يخسر جزءًا من الأصوات التي كان التيار قادرًا على استقطابها منفردًا.
ومن هنا يصبح السؤال الأكثر أهمية:
كم صوتًا سيضيفه التحالف؟ وكم صوتًا قد يخسره التيار بسبب التحالف؟
وهذه المسألة ينبغي ألا تُحسم بالانطباعات السياسية، وإنما بقياس الرأي العام ميدانيًا.
⸻
سادسًا: الكلفة السياسية المحتملة
هناك عامل آخر يتعلق بالذاكرة السياسية والاجتماعية لدى قطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني، وبالأخص في قطاع غزة.
فحماس ليست بالنسبة إلى جميع الناخبين مجرد فصيل سياسي يمكن عقد تحالف انتخابي معه؛ بل هي أيضًا طرف رئيسي في تجربة الانقسام الفلسطيني، وما رافقها من صراع داخلي وتوترات سياسية واجتماعية وكلفة بشرية كبيرة.
وهنا ينبغي التعامل مع المسألة باعتبارها عاملًا في الإدراك الانتخابي لدى المواطنين، وليس باعتبارها حكمًا أخلاقيًا أو سياسيًا على حركة بعينها.
فإذا كان جزء من الجمهور يحمل تحفظًا أو غضبًا أو خوفًا أو مرارة تجاه تجربة حماس، فإن ظهور التيار الإصلاحي في قائمة انتخابية واحدة معها قد يؤدي إلى انتقال جزء من هذه المشاعر إلى التيار نفسه.
وقد يطرح الناخب سؤالًا بسيطًا:
إذا كنت أريد التصويت لدحلان باعتباره خيارًا مختلفًا، فلماذا أصوت لقائمة تضم حماس؟
وهذا السؤال ينبغي أخذه بمنتهى الجدية.
⸻
سابعًا: معضلة صورة محمد دحلان كخيار بديل
تتمثل إحدى نقاط القوة المحتملة للتيار الإصلاحي في أن بعض قطاعات الجمهور تنظر إلى محمد دحلان باعتباره خيارًا مختلفًا عن القيادة الفتحاوية الرسمية، وفي الوقت ذاته ليس هو حماس.
وهذه المنطقة السياسية الوسطى يمكن أن تشكل مصدر قوة انتخابية للتيار.
فالرسالة التي يستطيع التيار تقديمها هي:
فتح مختلفة، وإصلاح مختلف، وخيار وطني قادر على تجاوز الانقسام.
لكن إدخال حماس في قلب القائمة الانتخابية قد يضعف هذه المعادلة.
فبدلًا من أن تكون الرسالة:
هناك خيار ثالث قادر على تغيير الواقع الفلسطيني.
قد تصبح:
هناك تحالف واسع يضم قوى مختلفة في مواجهة طرف آخر.
والفرق بين الرسالتين انتخابيًا وسياسيًا كبير.
⸻
ثامنًا: الحملة الانتخابية ليست استراتيجية الحكم
هذه النقطة تمثل، ربما، جوهر التقدير كله.
في الحملة الانتخابية يحتاج التيار إلى الإجابة عن سؤال الناخب:
لماذا يجب أن أمنح صوتي للتيار الإصلاحي؟
أما بعد الانتخابات، فيصبح السؤال:
مع من يمكنني العمل لتحقيق برنامجي؟
ومن هنا لا يوجد تناقض في أن يخوض التيار الانتخابات مستقلًا، ثم يتحالف لاحقًا مع حماس أو غيرها داخل البرلمان.
بل قد يكون هذا الخيار أكثر ذكاءً سياسيًا.
فالتيار يدخل الانتخابات مستقلًا، ويطلب من المواطن تفويضًا واضحًا، ثم — بعد ظهور النتائج — يدخل في مفاوضات مع مختلف القوى بشأن تشكيل الكتل والتحالفات البرلمانية.
وبذلك يصبح التحالف نتيجة للانتخابات، وليس بديلًا عنها.
⸻
تاسعًا: فرص التحالفات البرلمانية بعد الانتخابات
إذا كانت هناك مصالح وطنية مشتركة مع حماس أو الجهاد أو القوى اليسارية أو الشخصيات الوطنية، فإن هذه المصالح لن تختفي في حال عدم تشكيل قائمة انتخابية مشتركة.
بل يمكن ترجمتها بعد الانتخابات إلى:
* تحالفات برلمانية.
* تفاهمات حول رئاسة المجلس واللجان.
* اتفاقات على التشريعات.
* تفاهمات بشأن إعادة الإعمار.
* مواقف مشتركة تجاه القضايا الوطنية الكبرى.
* تنسيق سياسي في القضايا التي تتطلب توافقًا وطنيًا.
ويمنح هذا السيناريو التيار الإصلاحي مساحة تفاوضية أكبر.
فالتيار الذي يدخل البرلمان بقوة انتخابية مستقلة يستطيع أن يقول:
نحن مستعدون للتحالف مع أي طرف يخدم برنامجنا ومصلحة شعبنا.
أما التيار الذي يدخل البرلمان بوصفه جزءًا من تحالف انتخابي سابق، فقد يجد نفسه أكثر التزامًا بالدفاع عن خيارات ذلك التحالف حتى في الحالات التي قد تتعارض مع بعض مصالح قاعدته الانتخابية.
⸻
عاشرًا: المخاطر الأساسية للقائمة المشتركة
يمكن تلخيص المخاطر المحتملة في خمسة مستويات رئيسية:
1. خسارة جزء من الكتلة الفتحاوية القابلة للاستقطاب
قد يتردد بعض أبناء فتح أو الناخبين القريبين من الشرعية التنظيمية في التصويت لقائمة تضم حماس.
2. تآكل الهوية المستقلة للتيار
قد يتحول التيار من كونه “الخيار الإصلاحي” إلى مجرد مكوّن داخل تحالف سياسي واسع.
3. انتقال صورة حماس إلى التيار
قد يستفيد التحالف من صورة التيار لدى بعض الناخبين أكثر مما يستفيد التيار من صورة حماس لدى قاعدته المحتملة.
4. إرباك الرسالة الانتخابية
كلما اتسعت القائمة وتعددت مرجعياتها السياسية، أصبح من الصعب تقديم رسالة انتخابية بسيطة وواضحة ومقنعة.
5. خسارة فرصة بناء كتلة سياسية مستقلة
قد لا يكون الهدف الاستراتيجي للتيار مجرد الحصول على عدد من المقاعد، وإنما بناء قوة سياسية مستقلة يمكن أن تصبح مركز ثقل في النظام السياسي الفلسطيني الجديد.
⸻
الحادي عشر: المكاسب المحتملة للتحالف
رغم المخاطر السابقة، يجب ألا يتجاهل التقدير المكاسب التي يمكن أن يوفرها التحالف الانتخابي الواسع.
فالقائمة المشتركة يمكن أن:
* تمنح التحالف قدرة تنافسية أكبر.
* تقلل من تشتت الأصوات.
* توسع نطاقه الجغرافي والاجتماعي.
* تمنحه صورة القوة السياسية الواسعة.
* ترفع عدد المقاعد المحتملة مقارنة بخوض بعض الأطراف الانتخابات منفردة.
* تمنح الأطراف المشاركة قدرة تفاوضية أكبر بعد الانتخابات.
لكن قيمة هذه المكاسب تتوقف على عامل حاسم:
هل سيكون صافي المكاسب الانتخابية للتحالف أكبر من الخسائر التي قد يتكبدها التيار الإصلاحي في الكتلة التي يستطيع استقطابها منفردًا؟
وهذه مسألة تحتاج إلى قياس علمي للرأي العام، وليس إلى التقدير السياسي وحده.⸻
الثاني عشر: التوصية الاستراتيجية
استنادًا إلى المعطيات السابقة، فإن الخيار الأكثر أمانًا للتيار الإصلاحي في المرحلة الراهنة هو:
خوض الانتخابات التشريعية بقائمة إصلاحية مستقلة، مع عدم إغلاق باب الحوار السياسي مع حماس والجهاد والقوى اليسارية والشخصيات الوطنية، وترك التحالفات البرلمانية مفتوحة لما بعد إعلان النتائج.
ولا يعني هذا الخيار رفض المصالحة الوطنية، أو رفض التعاون مع حماس، أو العودة إلى مربع الانقسام.
بل يعني التمييز بين:
المصالحة الوطنية شيء، والتحالف الانتخابي شيء آخر.
وأن الرصيد الانتخابي للتيار ينبغي ألا يكون الثمن الذي يُدفع مقدمًا لإنجاز تحالف يمكن تحقيقه لاحقًا داخل البرلمان.
⸻
الثالث عشر: الرسالة السياسية المقترحة للجمهور
إذا اختار التيار الإصلاحي هذا المسار، فمن المهم ألا يقدم موقفه باعتباره موقفًا معاديًا لحماس.
فالرسالة الأفضل ليست:
نحن ضد التحالف مع حماس.
وإنما:
نحن مع التوافق الوطني، ومع العمل المشترك، ومع إنهاء الانقسام، لكننا نرى أن الانتخابات يجب أن تمنح كل تيار حقه في تقديم برنامجه وقياس وزنه الحقيقي. وبعد أن يقول الشعب كلمته، يمكن لجميع القوى أن تتحالف تحت قبة البرلمان لخدمة المصلحة الوطنية.
بهذه الصيغة يحافظ التيار على استقلاليته، دون أن يظهر وكأنه يرفض الحوار الوطني أو المصالحة.
⸻
الرابع عشر: الخلاصة النهائية
إن التحالف الانتخابي المقترح بين قوى ذات مرجعيات سياسية مختلفة يمكن أن يحمل قيمة استراتيجية على مستوى إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني، لكنه في الوقت ذاته يحمل مخاطر انتخابية غير متساوية على الأطراف المشاركة.
وبالنسبة إلى التيار الإصلاحي تحديدًا، فإن الخطر الأكبر ليس مجرد خسارة بعض الأصوات لصالح حماس، وإنما خسارة الهوية السياسية التي تمنحه القدرة على استقطاب الناخب المتردد، والفتحاوي غير الراضي، والمستقل الباحث عن بديل.
فالتيار لا يحتاج فقط إلى أصوات حماس لكي يفوز؛ بل يحتاج أيضًا إلى المحافظة على قدرته على جذب:
* من لا يريد حماس.
* من لا يريد استمرار الوضع القائم.
* من يبحث عن خيار ثالث.
* من يريد تغييرًا سياسيًا وإداريًا.
* من يرى في التيار الإصلاحي فرصة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.
ومن هنا، فإن التحالف الانتخابي الواسع قد يكون مفيدًا للتحالف ككل، لكنه ليس بالضرورة مفيدًا للتيار الإصلاحي بالقدر نفسه.
وعليه، فإن التوصية الاستراتيجية الأكثر توازنًا هي:
الاستقلال في الانتخابات، والانفتاح في السياسة، والتحالف تحت قبة البرلمان.
أي أن يخوض التيار الانتخابات بهويته وبرنامجه ورصيده الشعبي، ويترك للناخب تحديد حجمه الحقيقي، ثم يستخدم هذا الحجم لبناء أوسع تحالف وطني ممكن داخل البرلمان.
وهذا المسار يحقق معادلة أكثر توازنًا:
لا قطيعة مع حماس، ولا ارتهان انتخابي لها.
لا رفض للتحالفات، ولا استعجال لها.
لا عودة إلى الانقسام، ولا ذوبان للتيار داخل قائمة قد تضعف هويته.