نشر بتاريخ: 2026/11/07 ( آخر تحديث: 2026/11/07 الساعة: 15:01 )
جهاد أبو لحية

غزة في الشتاء الرابع: غرق الخيام ومسؤولية غائبة

نشر بتاريخ: 2026/11/07 (آخر تحديث: 2026/11/07 الساعة: 15:01)

الكوفية مع بداية الشتاء الرابع منذ اندلاع الحرب، غرقت خيام آلاف العائلات في غزة بالمياه، وتكررت المشاهد نفسها التي شهدها النازحون في المواسم السابقة.

الخيام المهترئة لم تصمد أمام الأمطار، فتسرّبت المياه إلى داخلها وأتلفت الأغطية والفراش، وتحولت أماكن الإيواء إلى برك من الطين، وسط معاناة عائلات تحاول حماية أطفالها مما تبقى من قسوة الحرب.

هذا الوضع لم يعد مرتبطاً بظروف الحرب الأولى فقط، بل أصبح مؤشراً على فشل مستمر في توفير الحد الأدنى من متطلبات الإيواء للنازحين.

هذا الفشل لا يقتصر على نقص المساعدات، بل يمتد إلى الفجوة بين الجهود الإنسانية المعلنة والنتائج الفعلية على الأرض. فالمؤسسات الدولية والمنظمات الإنسانية تصدر تقارير وبيانات متكررة حول الوضع، إلا أن حجم الاستجابة لم يتناسب مع حجم الاحتياجات المتفاقمة.

واستمرار غرق الخيام مع كل منخفض جوي يطرح تساؤلات مشروعة حول فعالية التنسيق والضغط الدوليين، وحول مدى قدرة الجهات المعنية على إزالة العوائق أمام دخول مستلزمات الإيواء وتوفير الحماية للنازحين.

غير أن تحميل المسؤولية للمجتمع الدولي وحده لا يكفي لتفسير استمرار الأزمة. فجزء مهم من المشكلة يرتبط بالغياب العملي للفصائل الفلسطينية عن الملف الإنساني المباشر.

فبينما تُظهر بعض هذه الفصائل حضوراً واضحاً في المسائل السياسية والتنظيمية والتمثيل، يبقى حضورها الميداني في توفير المأوى ودعم العائلات النازحة خلال الشتاء محدوداً أو غائباً.

ومن المؤسف أن تتسابق بعض القوى على الاستفادة من معاناة شعبنا في حساباتها السياسية والتنظيمية، بينما لا نجد الحضور ذاته عندما يتعلق الأمر بتلبية احتياجات الناس الإنسانية.

وهذا التفاوت يضعف مصداقية أي خطاب يتحدث باسم الناس، ويحوّل معاناتهم إلى ساحة للمنافسة والمزايدة بدلاً من أن تكون دافعاً للعمل المشترك.

ومن يدّعي تمثيل الفلسطينيين مطالب بأن يُقاس حضوره بمدى قدرته على تقديم حلول عملية في أوقات الأزمات، لا بحجم التصريحات والشعارات. فاستمرار التعامل مع معاناة النازحين باعتبارها ملفاً ثانوياً أمام الحسابات السياسية والتنظيمية يعني أن الأولوية لم تُمنح لمن يفترض أن يكونوا في صدارة الاهتمام، وهم المواطنون الذين فقدوا منازلهم ويواجهون اليوم قسوة الشتاء داخل خيام لا تحميهم من المطر والبرد. والمسؤولية الوطنية لا تسقط بسبب الانقسام السياسي، بل تزداد أهميتها في ظل تعقيد الظروف التي يعيشها شعبنا.

لذلك، تحتاج غزة اليوم إلى إجراءات عملية وعاجلة، تبدأ بإدخال مستلزمات إيواء كافية، وتوفير مأوى أكثر ملاءمة لمواجهة الشتاء، وضمان وصول المساعدات إلى العائلات المستحقة.

كما تحتاج إلى موقف فلسطيني يضع الملف الإنساني فوق الحسابات الفصائلية، وموقف دولي يتجاوز حدود البيانات والتصريحات إلى ممارسة ضغط فعلي يُحدث تغييراً ملموساً على الأرض.

فاستمرار غرق الخيام مع كل شتاء يعني أن الاختبار الحقيقي للمسؤولية، الدولية والفلسطينية، لم يُجتز بعد.

فالشعب الذي تُرك وحيداً في مواجهة الحرب والدمار، لا يجوز أن يُترك وحيداً أيضاً في مواجهة المطر والبرد.

وغرق الخيام ليس مجرد مأساة إنسانية عابرة، بل شهادة على غياب المسؤولية، دولياً وفلسطينياً، تجاه شعب لم يعد يطلب سوى حقه في الحياة بكرامة.